فصل: 2035- باب في العفو والعافية

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


الجزء العاشر

2018- باب مِنْ أَبْوَابِ الدّعَوَات

3698- حدثنا مُحمّدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيّ، حدثنا زهَيْرٌ وَهُوَ ابنُ مُحمّدٍ عَن عَبْدِ الله بنِ مُحمّدِ بنِ عقيْلٍ أَنّ مُعَاذَ بنَ رِفَاعَةَ أخْبَرَهُ عَن أبِيهِ قالَ‏:‏ ‏"‏قَامَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ عَلَى المِنْبَرِ ثُمّ بَكَى فقَالَ‏:‏ قامَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَامَ الأوّلِ عَلَى المنْبَر ثُمّ بَكَى فقَالَ‏:‏ سَلُوا الله العَفْوَ والعَافِيَةَ فإِنّ أَحَداً لَمْ يُعْطَ بعد اليَقِين خَيْراً مِنَ الْعَافِيَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ عَن أَبي بَكْرٍ رضي الله عنه‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي رفاعة بن رافع بن مالك الأنصاري قوله‏:‏ ‏(‏عام الأول‏)‏ أي من الهجرة ‏(‏ثم بكى‏)‏ قيل إنما بكى لأنه علم وقوع أمته في الفتن وغلبته الشهوة والحرص على جمع المال وتحصيل الجاه فأمرهم بطلب العفو والعافية ليعصمهم من الفتن ‏(‏سلوا الله العفو‏)‏ أي عن الذنوب‏.‏ قال في النهاية العفو معناه التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه أصله المحو والطمس ‏(‏والعافية‏)‏ قال القاري‏:‏ معناه السلامة في الدين من الفتنة وفي البدن من سيء الأسقام وشدة المحنة انتهى‏.‏ قلت‏:‏ لا حاجة إلى زيادة لفظ سيء‏.‏ قال في النهاية‏:‏ العافية أن تسلم من الأسقام والبلايا وهي الصحة وضد المرض انتهى ‏(‏بعد اليقين‏)‏ أي الإيمان ‏(‏خيراً من العافية‏)‏ قال الطيبي وهي السلامة من الاَفات فيندرج فيها العفو انتهى، يعني ولعموم معنى العافية الشاملة للعفو اكتفى بذكرها عنه والتنصيص عليه سابقاً للإيماء إلى أنه أهم أنواعها‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه‏.‏

2019- باب

3699- حَدّثَنَا حُسَيْنُ بنُ يَزِيدَ الكُوفِيّ حدثنا أبُو يَحْيى الْحِمّانيّ حدثنا عُثْمانُ بنُ وَاقِدٍ عَن أبي نُضَيْرةَ عَن مَوْلًى لأبي بَكْرٍ عَنْ أبي بَكْرٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا أَصَرّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ فَعَلَهُ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرّةً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غريبٌ إنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبي نُضَيْرَةَ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بالْقَوِيّ‏.‏

3700- حدثنا يَحْيَى بنُ مُوسَى وَسُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ- المَعْنَى وَاحِدٌ- قالاَ‏:‏ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ حدثنا الأَصْبَغُ بنُ زَيْدٍ حدثنا أَبو العَلاَءِ عَن أبي أُمَامَةَ قالَ‏:‏ لَبِسَ عُمَرُ بنُ الْخَطّابِ رضي الله عنه ثَوْباً جَدِيداً فقالَ الحَمْدُ لله الّذي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي، وَأَتَجَمّلُ بِهِ في حيَاتِي، ثُمّ قالَ سَمِعْتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏مَنْ لَبِسَ ثَوْباً جَدِيداً فقالَ الْحَمْدُ لله الّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمّلُ بِهِ في حَياتِي، ثُمّ عَمَدَ إِلى الثّوْبِ الّذِي أخْلَقَ فَتَصَدّقَ بِهِ كانَ في كَنَفِ الله وفي حِفْظِ الله وفي سِتْرِ الله حَيّا ومَيّتاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ‏.‏ وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيى بنُ أبي أيّوبَ عَن عُبَيْدِ الله بنِ زحر عَن عَلِيّ بنِ يَزِيدَ عن القَاسِمِ عن أبي أُمَامَةَ‏.‏

3701- حدثنا أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ حدثنا عَبْدُ الله بنُ نَافِعِ الصّائِغُ قِرَاءَة عَلَيْهِ عَن حَمّادِ بنِ أبي حُمَيْدٍ عَن بزِيْدِ بنِ سلَيْمَ عَن أبِيهِ عَن عُمَرَ بنِ الْخطّابِ‏:‏ ‏"‏أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بَعْثاً قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرةً فَأَسْرَعُوا الرّجْعَةَ فقالَ رَجُلٌ مِمّنْ لَمْ يَخْرُجْ‏:‏ ما رَأَيْنَا بَعْثاً أَسْرَعَ رَجْعَةً وَلاَ أَفْضَلَ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فقالَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أَلاَ أَدُلّكُمْ علَى قَوْمٍ أفْضَلَ غَنِيمَةً وَأَسْرَعَ رَجْعَةً‏؟‏ قَوْمٌ شَهِدُوا صَلاَةَ الصّبْحِ ثُمّ جَلَسُوا يَذْكُرُونَ الله حتى طَلَعَتِ الشّمْسُ فَأُولَئِكَ أسْرَعُ رَجْعَةً وَأَفْضَلُ غَنِيمَةً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وَهَذا حديثٌ غريبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ‏.‏ وَحَمّادُ بنُ أبي حُمَيْدٍ هُوَ مُحمّدُ بنُ أبي حُمَيْدٍ وَهُوَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الأَنْصَارِيّ المَزنِيّ وَهُوَ ضَعيفٌ في الْحَدِيثِ‏.‏

3702- حدثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ حدثنا أَبِي عَن سُفْيَانَ عَن عَاصِمِ بنِ عُبَيْدِ الله عَن سَالمٍ عَن ابنِ عُمَرَ عَن عمَرَ ‏"‏أَنّهُ اسْتَأْذَنَ النبيّ صلى الله عليه وسلم في العُمْرَةِ فقالَ أَيْ أُخَيّ أشْرِكْنَا في دُعَائِكَ وَلاَ تَنْسَنَا‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

3703- حَدّثَنَا عبدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ أَخبرنا يَحْيى بن حَسّانَ حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَن عَبْدِ الرّحمنِ بنِ إسْحَاقَ عن سَيّارٍ عَن أبِي وَائِلٍ عَن عَلِيّ رضي الله عنه ‏"‏أَنّ مُكَاتِباً جاءَهُ فقالَ إنّي قَدْ عَجْزِتُ عنْ كِتَابَتِي فَأَعِنّي، قالَ أَلاَ أُعَلّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلّمَنِيهِنّ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْناً أَدّاهُ الله عَنْكَ‏.‏ قالَ قُلْ اللّهُمّ اكْفِني بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَاغْنِني بِفَضْلِكَ عمن سِوَاكَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا حسين بن يزيد الكوفي‏)‏ الطحان ‏(‏حدثنا أبو يحيى الحماني‏)‏ بكسر الحاء المهملة وتشديد الميم اسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن ‏(‏حدثنا عثمان بن واقد‏)‏ بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر العمري المدني نزيل البصرة صدوق ربما وهم من السابعة ‏(‏عن أبي نصيرة‏)‏ بالتصغير الواسطي اسمه مسلم بن عبيد ثقة من الخامسة ‏(‏عن مولى لأبي بكر‏)‏ يقال هو أبو رجاء مجهول من الثانية‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏ما أصر من استغفر‏)‏ كلمة ما نافية يعني من عمل معصية ثم استغفر وندم على ذلك خرج عن كونه مصراً على المعصية لأن المصر هو الذي لم يستغفر ولم يندم على الذنب والإصرار على الذنب إكثاره كذا في المفاتيح ‏(‏ولو فعله في اليوم سبعين مرة‏)‏ وفي رواية أبي داود وإن عاد في اليوم سبعين مرة، قيل ظاهره التكثير والتكرير‏.‏ قال المناوي في شرح هذا الحديث‏:‏ أي ما أقام على الذنب من تاب توبة صحيحة وإن عاد في اليوم سبعين مرة فإن رحمة الله لا نهاية لها فذنوب العالم كلها متلاشية عند عفوه‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود ‏(‏وليس إسناده بالقوي‏)‏ لجهالة مولى أبي بكر ولين حسين بن يزيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يحيى بن موسى‏)‏ البلخي ‏(‏أخبرنا الأصبغ بن زيد‏)‏ بن علي الجهني الوراق أبو عبد الله الواسطي كاتب المصاحف صدوق يغرب من السادسة ‏(‏أخبرنا أبو العلاء‏)‏ الشامي مجهول من الخامسة ‏(‏عن أبي أمامة‏)‏ الباهلي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏لبس‏)‏ من باب سمع ‏(‏ما أواري به‏)‏ أي أستر به ‏(‏عورتي‏)‏ العورة سوءة الإنسان كل ما يستحي منه ‏(‏وأتجمل‏)‏ أي أتزين ‏(‏ثم عمد‏)‏ بفتح الميم ويكسر أي قصد ‏(‏إلى الثوب الذي أخلق‏)‏ أي صار بالياً أو صيره بالياً ‏(‏كان في كنف الله‏)‏ بفتح الكاف والنون أي في حرزه وستره وهو في الأصل الجانب والظل والناحية على ما في القاموس ‏(‏وفي حفظ الله وفي ستر الله‏)‏ تأكيد ومبالغة، وفي الصحاح الستر بالكسر واحد الستور وبالفتح مصدر ستر ‏(‏حياً وميتاً‏)‏ أي في الدنيا والاَخرة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والحاكم وصححه‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وقد رواه يحيى بن أيوب‏)‏ الغافقي ‏(‏عن عبيد الله بن زحر‏)‏ الضمري ‏(‏عن علي بن يزيد‏)‏ الألهاني الدمشقي ‏(‏عن القاسم‏)‏ بن عبد الرحمن الدمشقي كنيته أبو عبد الرحمن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أحمد بن الحسن‏)‏ بن جنيدب الترمذي ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو أسلم العدوي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏بعث‏)‏ أي أرسل ‏(‏بعثاً‏)‏ أي جماعة، قال الطيبي‏:‏ البعث بمعنى السرية من باب تسمية المفعول بالمصدر ‏(‏قبل نجد‏)‏ بكسر القاف وفتح الموحدة أي إلى جهته ‏(‏وأسرعوا الرجعة‏)‏ أي إلى المدينة ‏(‏فقال رجل ممن لم يخرج‏)‏ بطريق الغبطة على وجه التعجب ‏(‏ولا أفضل‏)‏ أي أكثر أو أنفس ‏(‏ألا أدلكم على قوم أفضل غنيمة‏)‏ أي لبقاء هذه ودوامها وفناء تلك وسرعة انقضائها ‏(‏قوم‏)‏ أي هم قوم ‏(‏شهدوا صلاة الصبح‏)‏ أي حضروا جماعتها ‏(‏فأولئك أسرع رجعة‏)‏ أي إلى أهلهم ومعايشهم لانتهاء عملهم الموعود عليه بذلك الثواب العظيم بعد مضي نحو ساعة زمانية وأهل الجهاد لا ينتهي عملهم غالباً إلا بعد أيام كثيرة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث وعزوه للترمذي ورواه البزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة بنحوه وذكر البزار فيه أن القائل ‏(‏ما رأينا‏)‏ هو أبو بكر رضي الله عنه‏.‏ وقال في آخره‏:‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏يا أبا بكر ألا أدلك على ما هو أسرع إياباً وأفضل مغنماً من صلى الغداة في جماعة ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس‏"‏ انتهى ‏(‏وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم الأنصاري‏)‏ اسمه محمد وحماد لقبه وأبو إبراهيم كنيته ‏(‏وهو ضعيف في الحديث‏)‏ أي ضعيف عند أهل الحديث أو ضعيف في حديثه، وقال البخاري فيه إنه منكر الحديث، وفي ميزان الاعتدال في ترجمة أبان بن جبلة نقل ابن القطان أن البخاري قال كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة‏)‏ وفي رواية أبي داود‏:‏ استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم فأذن لي ‏(‏فقال‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏أي أخي‏)‏ بالتصغير وهو تصغير تعطف وتلطف لا تحقير ‏(‏أشركنا‏)‏ يحتمل نون العظمة وأن يريد نحن وأتباعنا ‏(‏في دعائك‏)‏ فيه إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية بالتماس الدعاء ممن عرف له الهداية وحث للأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وأهل العبادة وتنبيه لهم على أن لا يخصوا أنفسهم بالدعاء ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم لا سيما في مظان الإجابة وتفخيم لشأن عمر وإرشاد إلى ما يحمي دعاءه من الرد ‏(‏ولا تنسنا‏)‏ تأكيد أو أراد به في سائر أحواله‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود وزاد بعد قوله‏:‏ ولا تنسنا فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الرحمن بن إسحاق‏)‏ الواسطي الكوفي المكنى بأبي شيبة ‏(‏عن سيار‏)‏ العنزي أبي الحكم ‏(‏عن أبي وائل‏)‏ اسمه شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏أن مكاتباً‏)‏ أي لغيره وهو عبد علق سيده عتقه على إعطائه كذا من المال ‏(‏إني قد عجزت عن كتابتي‏)‏ الكتابة المال الذي كاتب به السيد عبده يعني بلغ وقت أداء مال الكتابة وليس لي مال ‏(‏فأعني‏)‏ أي بالمال أو بالدعاء بسعة المال ‏(‏قال ألا أعلمك كلمات‏)‏ قال الطيبي طلب المكاتب المال فعلمه الدعاء إما لأنه لم يكن عنده من المال ليعينه فرده أحسن رد عملاً بقوله تعالى ‏{‏قول معروف ومغفرة خير‏}‏ أو أرشده إشارة إلى أن الأولى والأصلح له أن يستعين بالله لأدائها ولا يتكل على الغير، وينصر هذا الوجه قوله ‏"‏واغنني بفضلك عمن سواك‏"‏ ‏(‏لو كان عليك مثل جبل صير ديناً‏)‏ بكسر الصاد المهملة وسكون التحتية وهو جبل لطيء ويروى صبير بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة وسكون التحتية كذا في النهاية ‏(‏اللهم اكفني‏)‏ بهمزة وصل تثبت في الابتداء مكسورة وتسقط في الدرج‏.‏ وفي بعض النسخ‏:‏ اكففني من الكف ‏(‏بحلالك عن حرامك‏)‏ أي متجاوزاً أو مستغنياً منه‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه البيهقي في الدعوات الكبير والحاكم وقال صحيح‏.‏

2020- باب في دُعاء المريض

3704- حَدّثَنا مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بنِ مُرّةَ عن عَبْدِ الله بنِ سَلَمَةَ عَن عَلِيّ قالَ‏:‏ ‏"‏كُنْتُ شَاكِياً فَمرّ بِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أقُولُ اللّهُمّ إنْ كَانَ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَأَرِحْنِي، وإنْ كانَ مُتَأَخّراً فارْفَعْنِي، وإنْ كَانَ بَلاَءً فَصَبّرْنِي، فقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم كَيْفَ قُلْتَ‏؟‏ قالَ‏:‏ فأَعادَ عَلَيْهِ ما قالَ، قالَ‏:‏ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقالَ اللّهُمّ عَافِهِ أَوِ اشْفِهِ- شُعْبَةُ الشّاكّ- قالَ فَمَا اشْتَكَيْتُ وَجَعِي بَعْدُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

3705- حدّثَنا سُفْيانُ بنُ وكِيعٍ حدثنا يَحْيى بنُ آدَمَ عَن إِسْرَائِيلَ عن أبي إسْحَاقَ عن الحارِثِ عَن عَلِيّ قالَ‏:‏ ‏"‏كانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا عَادَ مَرِيضاً قالَ‏:‏ اللهمّ أَذْهِبِ البَأسَ رَبّ النّاسِ، وَاشْفِ أنْتَ الشّافِي لاَ شِفَاءَ إِلاّ شِفَاؤُكَ شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَماً‏"‏‏.‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏كنت شاكياً‏)‏ أي مريضاً ‏(‏وأنا أقول‏)‏ جملة حالية ‏(‏إن كان أجلي‏)‏ أي انتهاء عمري ‏(‏قد حضر‏)‏ أي وقته ‏(‏فأرحني‏)‏ أي بالموت من الإراحة وهي إعطاء الراحة بنوع إزاحة للبلية ‏(‏وإن كان‏)‏ أي أجلي ‏(‏فارفغني‏)‏ من الإرفاغ أي وسع لي عيشي‏.‏ قال في النهاية وفي حديث علي رضي الله عنه أرفغ لكم المعاش أي أوسع عليكم وعيش رافغ أي واسع ‏(‏وإن كان‏)‏ أي مرضي ‏(‏بلاء‏)‏ أي امتحاناً ‏(‏فصبرني‏)‏ بتشديد الموحدة المكسورة أي اعطني الصبر عليه ولا تجعلني من أهل الجزع لديه ‏(‏قال‏)‏ أي عبد الله بن سلمة ‏(‏فأعاد‏)‏ أي علي ‏(‏عليه‏)‏ أي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ما قال‏)‏ أي أولاً ‏(‏فضربه برجله‏)‏ أي ليتنبه عن غفلة أمره وينتهي عن شكاية حاله وتتصل إليه بركة قدمه ‏(‏قال‏)‏ أي علي ‏(‏فما اشتكيت وجعي‏)‏ أي هذا ‏(‏بعد‏)‏ أي بعد دعائه صلى الله عليه وسلم‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أذهب الباس‏)‏ أي أزل شدة المرض والباس بغير همز للازدواج فإن أصله الهمزة ‏(‏رب الناس‏)‏ بالنصب بحذف حرف النداء ‏(‏واشف‏)‏ أي هذا المريض ‏(‏أنت الشافي‏)‏ يؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن بشرطين‏:‏ أحدهما أن لا يكون في ذلك ما يوهم نقصه‏.‏ والثاني أن يكون له أصل في القرآن وهذا من ذاك فإن في القرآن ‏(‏وإذا مرضت فهو يشفين‏)‏ قاله الحافظ ‏(‏لا شفاء‏)‏ بالمد مبني على الفتح والخبر محذوف والتقدير لنا أوله ‏(‏إلا شفاؤك‏)‏ بالرفع على أنه بدل من موضع لا شفاء ‏(‏شفاء‏)‏ مصدر منصوب بقوله اشف ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ أي هذا أو هو ‏(‏لا يغادر‏)‏ بالغين المعجمة أي لا يترك، وفائدة التقييد بذلك أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض فيخلفه مرض آخر يتولد منه فكان يدعو له بالشفاء المطلق لا بمطلق الشفاء ‏(‏سقماً‏)‏ بضم ثم سكون وبفتحتين أيضاً أي مرضاً والتنكير للتقليل‏.‏ وقد استشكل الدعاء للمريض بالشفاء مع ما في المرض من كفارة الذنوب والثواب كما تضافرت الأحاديث بذلك، والجواب أن الدعاء عبادة ولا ينافي الثواب والكفارة لأنهما يحصلان بأول مرض وبالصبر عليه، والداعي بين حسنتين إما أن يحصل له مقصوده أو يعوض عنه بجلب نفع أو دفع ضر وكل من فضل الله تعالى‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ في سنده الحارث الأعور وهو ضعيف ورواه الشيخان وغيرهما عن عائشة‏.‏

2021- باب في دُعَاءِ الْوِتْر

3706- حدّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ أخبرنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عَن هِشَامِ بنِ عَمْرِو الفَزَارِيّ عن عبْدِ الرّحمَنِ بنِ الْحَارِثِ بنِ هِشَامٍ عَن عَلِيّ بنِ أَبي طَالبٍ‏:‏ ‏"‏أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَقَولُ في وِتْرِهِ‏:‏ اللّهُمّ إني أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقَوبَتِكَ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْكَ لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسكَ‏"‏‏.‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ من حديث علي لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مِنْ حدِيثِ حمّادِ بنِ سَلَمَةَ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن هشام بن عمرو الفزاري‏)‏ بفتح فاء وزاي خفيفة فألف فراء مقبول من الخامسة ‏(‏عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام‏)‏ بن المغيرة المخزومي المدني له رؤية وكان من كبار ثقات التابعين‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏كان يقول في وتره‏)‏ وفي رواية أبي داود وابن ماجه في آخر وتره‏.‏ قال القاري أي بعد السلام منه كما في رواية قال ميرك‏:‏ وفي إحدى روايات النسائي كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه ‏(‏اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك‏)‏ قال الجزري في النهاية وفي رواية بدأ بالمعافاة ثم بالرضاء إنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة لأنها من صفات الأفعال كالإماتة والإحياء والرضا والسخط من صفات الذات، وصفات الأفعال أدنى رتبة من صفات الذات فبدأ بالأدنى مترقياً إلى الأعلى ثم لما ازداد يقيناً وارتقاء ترك الصفات وقصر نظره على الذات فقال ‏"‏أعوذ بك منك‏"‏ ثم لما ازداد قرباً استحيا معه من الاستعاذة على بساط القرب فالتجأ إلى الثناء فقال ‏"‏لا أحصي ثناء عليك‏"‏ ثم علم أن ذلك قصور فقال ‏"‏أنت كما أثنيت على نفسك‏"‏، وأما على الرواية الأولى فإنما قدم الاستعاذة بالرضا على السخط لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول الرضا وإنما ذكرها لأن دلالة الأولى عليها دلالة تضمين فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة فكنى عنها أولاً ثم صرح بها ثانياً‏.‏ ولأن الراضي قد يعاقب للمصلحة أو لاستيفاء حق الغير انتهى ‏(‏وأعوذ بك منك‏)‏ أي بذاتك من آثار صفاتك وفيه إيماء إلى قوله تعالى ‏{‏ويحذركم الله نفسه‏}‏ وإشارة إلى قوله تعالى ‏{‏ففروا إلى الله‏}‏ ‏(‏لا أحصي ثناء عليك‏)‏ أي لا أطيقه ولا أبلغه حصراً وعدداً ‏(‏أنت كما أثنيت على نفسك‏)‏ أي ذاتك‏.‏ قال ابن الملك‏:‏ معنى الحديث الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق ذاته والثناء عليه انتهى‏.‏ وفي رواية النسائي‏:‏ ‏"‏لا أحصي ثناء عليك ولو حرصت ولكن أنت كما أثنيت على نفسك‏"‏‏.‏ قال ميرك قيل يحتمل أن الكاف زائدة والمعنى‏:‏ أنت الذي أثنيت على نفسك‏.‏ وقال بعض العلماء ما في كما موصوفة أو موصولة والكاف بمعنى المثل أي أنت الذات التي لها صفات الجلال والإكرام ولها العلم الشامل والقدرة الكاملة أنت تقدر على إحصاء ثناءك وهذا الثناء إما بالقول وإما بالفعل وهو إظهار فعله عن بث آلائه ونعمائه قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والطبراني في الأوسط وابن أبي شيبة ‏(‏لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث حماد بن سلمة‏)‏ قال أبو داود في سننه هشام أقدم شيخ لحماد وبلغني عن يحيى بن معين أنه قال لم يرو عنه غير حماد بن سلمة‏.‏ قال المنذري‏:‏ وقال البخاري قال أبو العباس قيل لأبي جعفر الدارمي‏:‏ روى عن هذا الشيخ غير حماد‏؟‏ فقال لا أعلم وليس لحماد عنه إلا هذا الحديث‏.‏ وقال أحمد بن حنبل‏:‏ هشام بن عمرو الفزاري من الثقات، وقال أبو حاتم الرازي شيخ قديم ثقة وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول‏:‏ ‏"‏اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك‏"‏‏.‏ وقد أخرجه أبو عبد الرحمن في الصلاة وابن ماجه في الدعاء انتهى‏.‏

2022- باب في دُعاءِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَتَعَوّذِهِ في دُبُرِ كُلّ صَلاة

3707- حدثنا حَدّثنَا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ أَخبرنا زَكَرِيّا بنُ عَدِيّ حدثنا عُبَيْدُ الله هُوَ ابنُ عَمْرٍو الرّقي عَن عبْدِ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ عَن مُصْعَبِ بنِ سَعْد وعَمْرِو بن مَيْمُونٍ قالاَ‏:‏ ‏"‏كَانَ سَعْدٌ يُعَلّمُ بَنِيهِ هُؤُلاَءِ الكلماتِ كَمَا يُعَلّمُ المكتبُ الغِلْمَانَ وَيَقُولُ إنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يَتَعوّذُ بِهِنّ دُبُر الصّلاَةِ‏:‏ اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ أرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدّنْيَا وَعَذَابِ القَبْرِ‏"‏ قالَ عَبْدُ الله بن عبد الرحمن أبُو إسْحَاقَ الْهَمْدَانِيّ مُضطربٌ في هَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ عَن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ عَن عُمَرَ ويَقُولُ عَن غَيْرِهِ ويَضْطَرِبُ فِيهِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

3708- حَدّثَنَا أَحْمَدُ بنُ الْحَسَنِ حدثنا أصْبغُ بنُ الفَرَجِ أَخْبَرَنِي عبْدُ الله بنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ أَنّهُ أَخْبَرَهُ عَن سَعِيدِ بنِ أبي هِلاَلٍ عَن خُزَيْمَةَ عَن عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بنِ أَبي وقّاصٍ عَن أبيهَا ‏"‏أَنّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى امْرَأَةٍ وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوَى أَوْ قالَ حَصَى تُسَبّحُ بِهِ فقالَ أَلاَ أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا وَأفْضَلُ‏؟‏ سُبْحَانَ الله عَدَدُ مَا خَلَقَ في السّمَاءِ، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا خَلَقَ في الأرْضِ، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ الله عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، والله أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ والحَمْدُ لله مِثْلَ ذَلِكَ، ولاَ حَوْلَ وَلا قُوّةَ إِلاّ بالله مِثْلَ ذَلِكَ‏"‏‏.‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ‏.‏

3709- حَدّثنا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ حدثنا عبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ وَزَيْدُ بنُ حُبَابٍ عَن مُوسَى بنِ عُبَيْدَةَ عَن مُحمّدِ بنِ ثَابِتٍ عَن أبي حَكِيمٍ الخطميّ مَوْلَى الزّبَيْرِ عَن الزّبَيْرِ بنِ العَوّامِ قالَ قالَ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا مِنْ صَبَاحٍ يُصْبِحُ العباد فيه إلاّ ومُنَادٍ يُنَادِي سبحان المَلِكَ القُدّوس‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وَهَذا حديثٌ غَريبٌ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبيد الله هو ابن عمرو‏)‏ الرقي ‏(‏وعمرو بن ميمون‏)‏ الأودي الكوفي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏كان سعد‏)‏ أي ابن أبي وقاص ‏(‏يعلم بنيه‏)‏ أي أولاده وفيه تغليب، وقد ذكر محمد بن سعد في الطبقات أولاً سعد فذكر من الذكور أربعة عشر نفساً ومن الإناث سبع عشرة وروى عنه الحديث منهم خمسة عامر ومحمد ومصعب وعائشة وعمر ‏(‏هؤلاء الكلمات‏)‏ أي الاَتية ‏(‏كما يعلم المكتب‏)‏ اسم فاعل من الإكتاب قال في القاموس‏:‏ الإكتتاب تعليم الكتابة كالتكتيب والإملاء، وفي رواية للبخاري كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ‏(‏الغلمان‏)‏ جمع الغلام أي الأطفال ‏(‏من الجبن‏)‏ بضم وضمتين أي البخل في النفس وعدم الجرأة على الطاعة وإنما تعوذ منه لأنه يؤدي إلى عذاب الاَخرة لأنه يفر في الزحف فيدخل تحت وعيد الله فمن ولى فقد باء بغضب من الله، وربما يفتتن في دينه فيرتد لجبن أدركه وخوف على مهجته من الأسر والعبودية ‏(‏وأعوذ بك من البخل‏)‏ بضم الباء وسكون الخاء وبفتحهما أي من عدم النفع إلى الغير بالمال أو العلم أو غيرهما ولو بالنصيحة قال الطيبي‏:‏ الجود إما بالنفس وهو الشجاعة ويقابله الجبن‏.‏ وإما بالمال وهو السخاوة ويقابله البخل ولا تجتمع الشجاعة والسخاوة إلا في نفس كاملة ولا ينعدمان إلا من متناه في النقص ‏(‏وأعوذ بك من أرذل العمر‏)‏ بضم الميم وسكونها لغتان، وفي رواية البخاري‏:‏ ‏"‏وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر‏"‏‏.‏ قال العيني أي عن الرد وكلمة أن مصدرية وأرذل العمر هو الخرف يعني يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم، ويقال أرذل للعمر أردؤه وهو حالة الهرم والضعف عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه فيما يتنظف فيه فيكون كلاً على أهله ثقيلاً بينهم يتمنون موته‏.‏ فإن لم يكن له أهل فالمصيبة أعظم ‏(‏وأعوذ بك من فتنة الدنيا‏)‏ بأن تتزين للسالك وتغره وتنسيه الاَخرة ويأخذ منها زيادة على قدر الحاجة ‏(‏وعذاب القبر‏)‏ أي من موجبات عذابه قوله‏:‏ ‏(‏قال عبد الله‏)‏ أي ابن عبد الرحمن الدارمي شيخ الترمذي ‏(‏أبو إسحاق الهمداني‏)‏ السبيعي اسمه عمرو بن عبد الله وهو مبتدأ خبره يضطرب ‏(‏يقول عن عمرو بن ميمون عن عمر ويقول عن غيره ويضطرب فيه‏)‏ قال الحافظ قد رواه أبو إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود هذه رواية زكريا عنه وقال إسرائيل عنه عن عمرو عن عمر بن الخطاب، ونقل الترمذي عن الدارمي أنه قال كان أبو إسحاق يضطرب فيه قال‏:‏ لعل عمرو بن ميمون سمعه من جماعة فقد أخرجه النسائي من رواية زهير عن أبي إسحاق عن عمرو عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمى منهم ثلاثة كما ترى انتهى ‏(‏وهذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري والنسائي‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أحمد بن الحسن‏)‏ بن جنيدب أبو الحسن الترمذي ‏(‏حدثنا أصبع بن الفرج‏)‏ بن سعيد الأموي مولاهما الفقيه المصري أبو عبد الله ثقة مات مستتراً أيام المحنة من العاشرة ‏(‏أخبرني عبد الله بن وهب‏)‏ بن مسلم القرشي ‏(‏عن عمرو بن الحارث‏)‏ الأنصاري مولاهم المصري ‏(‏عن خزيمة‏)‏ في التقريب خزيمة عن عائشة بنت سعد لا يعرف من السابعة انتهى، وذكره ابن حبان في الثقات ‏(‏عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص‏)‏ الزهرية المدنية ثقة من الرابعة عمرت حتى أدركها مالك ووهم من زعم أن لها رؤية‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏على امرأة‏)‏ أي محرم له أو كان ذلك قبل نزول الحجاب على أنه لا يلزم من الدخول الرؤية ‏(‏وبين يديها‏)‏ الواو للحال ‏(‏نواة‏)‏ بفتح النون وهي عظم التمر وفي بعض النسخ نوى بلفظ الجمع ‏(‏أو قال حصاة‏)‏ شك من الراوي ‏(‏تسبح‏)‏ أي المرأة ‏(‏بها‏)‏ أي بالنواة، وفيه دليل على جواز عد التسبيح بالنوى والحصى وكذا بالسبحة لعدم الفارق لتقريره صلى الله عليه وسلم للمرأة على ذلك وعدم إنكاره، والإرشاد إلى ما هو أفضل لا ينافي الجواز، وقد تقدم الكلام في جواز السبحة في باب عقد التسبيح باليد ‏(‏فقال‏)‏ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏بما هو أيسر‏)‏ أي أسهل وأخف ‏(‏من هذا‏)‏ أي من هذا الجمع والتعداد ‏(‏وأفضل‏)‏ وفي بعض النسخ أو أفضل‏.‏ وكذلك في سنن أبو داود بلفظ أو قال القاري‏:‏ قيل أو هذه للشك من سعد أو ممن دونه وقيل بمعنى الواو وقيل بمعنى بل وهو الأظهر‏.‏ قال الطيبي‏:‏ وإنما كان أفضل لأنه اعتراف بالقصور وأنه لا يقدر أن يحصي ثناءه، وفي العد بالنوى إقدام على أنه قادر على الإحصاء انتهى‏.‏ قال القاري‏:‏ وفيه أنه لا يلزم من العد هذا الإقدام ثم ذكر وجوهاً أخرى للأفضلية ولا يخلو واحد منها عن خدشة ‏(‏سبحان الله عدد ما خلق‏)‏ فيه تغليب لكثرة غير ذوي العقول الملحوظة في المقام ‏(‏عدد ما بين ذلك‏)‏ أي ما بين ما ذكر من السماء والأرض من الهواء والطير والسحاب وغيرها ‏(‏عدد ما هو خالق‏)‏ أي خالقه أو خالق له فيم بعد ذلك واختاره ابن حجر وهو أظهر لكن الأدق الأخفى ما قال الطيبي أي ما هو خالق له من الأزل إلى الأبد والمراد الاستمرار فهو إجمال بعد التفصيل، لأن اسم الفاعل إذا أسند إلى الله تعالى يفيد الاستمرار من بدأ الخلق إلى الأبد كما تقول الله قادر عالم فلا تقصد زماناً دون زمان ‏(‏والله أكبر مثل ذلك‏)‏ قال الطيبي منصوب نصب عدد في القرائن السابقة على المصدر، وقال بعض الشراح بنصب مثل أي الله أكبر عدد ما هو خالقه أي بعدده فجعل مرجع الإشارة أقرب ما ذكر والظاهر أن المشار إليه جميع ما ذكر فيكون التقدير الله أكبر عدد ما خلق في السماء والله أكبر عدد ما خلق في الأرض والله أكبر عدد ما بين ذلك والله أكبر عدد ما هو خالق‏.‏ ذكره القاري وقال‏:‏ والأظهر أن هذا من اختصار الراوي فنقل آخر الحديث بالمعنى خشية للملالة بالإطالة ويدل على ما قلنا بعض الآثار أيضاً‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب من حديث سعد‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن محمد بن ثابت‏)‏ قال في تهذيب التهذيب‏:‏ محمد بن ثابت عن أبي حكيم مولى الزبير وأبي هريرة وعنه موسى بن عبيدة الربذي‏.‏ قال الدوري عن ابن معين لا أعرفه‏.‏ وقال ابن أبي حاتم عن أبيه لا نفهم من محمد هذا، وزعم يعقوب بن شيبة أنه محمد بن ثابت بن شرحبيل من بني عبد الدار، وقال في التقريب مجهول من السادسة ‏(‏عن أبي حكيم مولى الزبير‏)‏ مجهول من الثالثة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏ما من صباح يصبح العبد‏)‏ أي فيه، قال الطيبي صباح نكرة وقعت في سياق النفي وضمت إليها من الاستغراقية لإفادة الشمول ثم جيء بقوله يصبح صفة مؤكدة لمزيد الإحاطة كقوله تعالى ‏{‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ولا طائر يطير بجناحيه‏}‏ ‏(‏سبحوا‏)‏ بصيغة الأمر من التسبيح أي نزهوا ‏(‏الملك القدوس‏)‏ أي عما هو منزه عنه والمعنى اعتقدوا أنه منزه عنه وليس المراد إنشاء تنزيه لأنه منزه أزلاً وأبداً أو اذكروه بالتسبيح لقوله تعالى ‏{‏وإن من شيء إلا يسبح بحمده‏}‏ ولذا قال الطيبي‏:‏ أي قولوا سبحان الملك القدوس أو قولوا سبوج قدوس رب الملائكة والروح أي ونحوهما من قول سبحان الله وبحمده الله سبحان العظيم‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وهو ضعيف لضعف بعض رواته وجهالة بعضهم وأخرجه أبو يعلى وابن السني بلفظ‏:‏ ‏"‏ما من صباح يصبح العباد إلا وصارخ يصرخ أيها الخلائق سبحوا الملك القدوس‏"‏‏.‏ قال المناوي إسناده ضعيف‏.‏

2023- باب في دُعاءِ الْحِفْظ

3710- حَدّثَنَا أَحْمَدُ بنُ الْحَسَنِ حدثنا سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرّحمَنِ الدّمَشْقِيّ أخبرنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ عَن عَطَاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ وعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابنِ عَبّاسٍ عَن ابنِ عَبّاسٍ أَنّهُ قالَ‏:‏ ‏"‏بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ جَاءَهُ عَلِيّ بنُ أَبي طَالِبٍ فقالَ‏:‏ بِأبِي أَنْتَ وَأُمّي تَفَلّتَ هَذَا القُرْآنُ مِنْ صَدْرِي فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ، فقالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يَا أبَا الْحَسَنِ أَفَلاَ أُعَلّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ الله بِهِنّ وَيَنْفَعُ بِهِنّ مَنْ عَلّمْتَه ويُثَبّتُ ما تَعَلّمْتَ في صَدْرِكَ‏؟‏ قالَ أَجَلْ يَا رَسُولَ الله فَعَلّمْنِي‏.‏ قالَ‏:‏ إذَا كانَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقُومَ في ثُلُثِ اللّيْلِ الاَخِرِ فَإِنّهَا سَاعَةٌ مَشْهُودَةٌ وَالدّعَاءُ فِيهَا مُسْتَجَابٌ وَقَدْ قالَ أَخِي يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ ‏{‏سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي‏}‏- يَقُولُ حَتّى تَأْتِي لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ- فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ في وَسَطِهَا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقُمْ في أوّلِهَا فَصَلّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تَقْرَأُ في الرّكْعَةِ الأولَى بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَةِ يَس، وَفي الرّكْعَةِ الثّانِيَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وحم الدّخَانَ، وَفي الرّكْعَةِ الثّالِثَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وألم تَنْزِيلُ السّجْدَةِ، وَفي الرّكْعَةِ الرّابِعَةِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَتَبَارَكَ المُفَصّل‏.‏ فَإِذَا فَرِغْتَ مِنْ التّشَهّدِ فاحْمَدِ الله وأحْسِنِ الثّنَاءَ عَلَى الله وَصَلّ عَلَيّ وَأَحْسِنْ وَعَلَى سَائِرِ النّبِيّينِ، وَاسْتَغْفِرْ لِلْمُؤْمِنينَ والمُؤْمِنَاتِ ولإخْوَانِكَ الّذِينَ سَبَقُوكَ بالإيمَانِ ثُمْ قُلْ في آخِرِ ذَلِكَ‏:‏ اللّهُمّ ارْحَمْنِي بِتَرْكِ المَعَاصِي أَبَداً مَا أَبْقَيْتَنِي، وارْحَمْنِي أنْ أَتَكَلّفَ مَا لاَ يَعْنِينِي، وارْزُقْنِي حُسْنَ النّظَرِ فِيمَا يُرْضِيكَ عَنّي، اللّهُمّ بَدِيعَ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ذَا الْجَلاَلِ وَالإكْرامِ وَالعِزّةِ التي لا تُرَامُ أَسْأَلُكَ يا الله يا رَحمَنُ بجَلاَلِكَ ونورِ وَجْهِكَ أَنْ تُلْزِمَ قَلْبِي حِفْظَ كِتَابِكَ كَمَا عَلّمْتَنِي وَارْزُقْنِي أَنْ أتْلُوَهُ عَلَى النّحْوِ الّذِي يُرْضِيكَ عَنّي‏.‏ اللّهُمّ بَدِيعَ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ذَا الْجَلاَل والإِكْرَامِ والعِزّةِ التي لا تُرَامُ أَسْأَلُكَ يا الله يا رَحْمَن بجَلاَلِكَ وَنُورِ وَجْهِكَ أَن تُنَوّرَ بِكَتَابِكَ بَصَرِي وأنْ تُطْلِقَ بِهِ لِسَاني وَأَنْ تُفَرّجَ بِهِ عن قَلْبِي وَأَنْ تَشْرَحَ بِهِ صَدْرِي وأَنْ تَعمل بِهِ بَدَنِي فإِنّهُ لا يُعِينُنِي عَلَى الحقّ غَيْرُكَ وَلاَ يُؤْتِيهِ إلاّ أَنْتَ وَلا حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إِلاّ بالله العَلِيّ العَظِيمِ‏.‏ يَا أَبا الحَسَنِ فافعل ذَلِكَ ثلاثَ جُمَعٍ أَوْ خَمْساً أَو سَبْعاً تُجَبْ بِإِذْنِ الله والّذِي بَعَثَنِي بالحَقّ مَا أَخْطَأَ مُؤْمِناً قَطّ‏.‏

قالَ عبد الله بنُ عَبّاسٍ فَوَالله مَا لَبِثَ عَلِيّ إلاّ خَمْساً أوْ سَبْعاً حتّى جَاءَ عليّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم في مِثْلِ ذَلِكَ المَجْلِسِ فقَالَ‏:‏ يا رَسُولَ الله إنّي كُنْتُ رجلاً فِيمَا خَلاَ لاَ آخُذُ إلاّ أَرْبَعَ آيَاتٍ أوْ نَحْوَهُنّ فإِذَا قَرَأْتُهُنّ عَلَى نَفْسِي تَفَلّتْنَ وَأنا أَتَعَلّمُ اليَوْمَ أَرْبَعِينَ آيَةً وَنَحْوَها فَإذَا قَرَأْتُهَا عَلَى نَفْسِي فَكَأَنّمَا كِتَابُ الله بَيْنَ عَيْنَيّ وَلَقَدْ كنْتُ أَسْمَعُ الحَديثَ فإِذَا رَدَدْتُهُ تَفَلّتَ وَأنا اليَوْمَ أَسْمَعُ الأحَادِيثَ فإِذَا تَحَدّثْتُ بِهَا لَمْ أَخْرِمْ مِنْهَا حَرْفاً، فقَالَ لَهُ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ‏:‏ مُؤْمِنٌ وَرَبّ الكَعْبَةِ يَا أَبَا الحَسَنِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ الوَلِيدِ بنِ مُسْلِمٍ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أحمد بن الحسن‏)‏ بن جنيدب أبو الحسن الترمذي ‏(‏حدثنا سليمان بن عبد الرحمن‏)‏ بن عيسى التيمي الدمشقي بن بنت شرحبيل أبو أيوب صدوق يخطئ من العاشرة ‏(‏أخبرنا الوليد بن مسلم‏)‏ القرشي الدمشقي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏تفلت‏)‏ قال في النهاية‏:‏ التفلت والإفلات والانفلات التخلص من الشي فجأة من غير تمكث ‏(‏يا أبا الحسن‏)‏ هو كنية علي رضي الله عنه ‏(‏أجل‏)‏ حرف جواب بمعنى نعم ‏(‏في ثلث الليل الاَخر‏)‏ الاَخر نعت لثلث الليل لا لليل ‏(‏فإنها ساعة مشهودة‏)‏ أي فإن ساعة ثلث الليل الاَخر ساعة تشهدها الملائكة ‏(‏وقد قال أخي يعقوب لبنيه‏)‏ إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ليعقوب أخي لأن الأنبياء أخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد‏.‏ رواه الشيخان عن أبي هريرة ولقوله تعالى ‏{‏إنما المؤمنون إخوة‏}‏ ‏{‏سوف أستغفر لكم ربي‏}‏ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قول يعقوب عليه السلام لبيان أن ليلة الجمعة أحرى وأخلق بإجابة الدعاء ‏(‏يقول حتى تأتي ليلة الجمعة‏)‏ هذا بيان لقوله سوف أستغفر وضمير يقول راجع إلى يعقوب والمعنى‏:‏ أنا أستغفر لكم في ليلة الجمعة الاَتية‏.‏ قال الحافظ بن كثير قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر، وقال ابن جرير‏:‏ حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دثار قال كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنساناً يقول اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت وهذا السحر فاغفر لي قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال إن يعقوب آخر بنيه إلى السحر بقوله ‏{‏سوف أستغفر لكم ربي‏}‏ وقد ورد في الحديث أن ذلك كان ليلة الجمعة قال ابن جرير أيضاً حدثني المثنى حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي حدثنا أبو الوليد أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏سوف أستغفر لكم ربي‏}‏ يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي يعقوب لبنيه وهذا غريب من هذا الوجه وفي رفعه نظر والله أعلم انتهى ‏(‏فإن لم تستطع فقم في وسطها‏)‏ عطف على قوله فإن استطعت ‏(‏وتبارك المفصل‏)‏ أي سورة تبارك الذي بيده الملك التي هي من طوال المفصل وفي بعض النسخ‏:‏ تبارك الملك ‏(‏وصل علي‏)‏ بتشديد الياء ‏(‏وأحسن‏)‏ أي وأحسن الصلاة عليّ ‏(‏ولإخوانك‏)‏ المراد بالأخوة هنا أخوة الدين ‏(‏أن أتكلف‏)‏ أي أتعرض ‏(‏ما لا يعنيني‏)‏ من قول وفعل أي ما لا يهمني ولا يكون من مقصدي ومطلوبي ‏(‏يرضيك‏)‏ من الإرضاء ‏(‏لا ترام‏)‏ أي لا تطلب من الروم ويجوز كونه من الريم بمعنى التجاوز ‏(‏أن تلزم‏)‏ بضم التاء من الإلزام ‏(‏أن تطلق‏)‏ من الإطلاق أي تجري ‏(‏وأن تفرج‏)‏ من باب التفعيل أي تكشف وتزيل ‏(‏وأن تغسل‏)‏ وفي بعض النسخ تعمل والظاهر أنه من الأعمال يقال أعمله غيره أي جعله عاملاً ‏(‏ولا يؤتيه‏)‏ أي لا يعطيه ‏(‏تجب‏)‏ بصيغة المجهول من الإجابة أي إن تفعل ذلك تجب وفي بعض النسخ تجاب ‏(‏ما أخطأ‏)‏ أي هذا الدعاء ‏(‏مؤمناً‏)‏ بل يصيبه ويستجاب له ‏(‏إلا خمساً أو سبعاً‏)‏ أي خمس جمع أو سبع جمع ‏(‏رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالنصب ‏(‏فيما خلا‏)‏ أي فيما مضى من الأيام ‏(‏لم أخرم‏)‏ من باب ضرب أي لم أنقص ولم أقطع ‏(‏مؤمن‏)‏ أي أنت مؤمن ‏(‏أبا الحسن‏)‏ منصوب بحذف حرف النداء‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم‏)‏ قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث‏:‏ ونقل كلام الترمذي هذا ما لفظه‏:‏ ورواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما إلا أنه قال يقرأ في الثانية بالفاتحة وألم السجدة وفي الثالثة بالفاتحة والدخان عكس ما في الترمذي، وقال في الدعاء وأن تشغل به بدني مكان وأن تستعمل وهو كذلك في بعض نسخ الترمذي ومعناهما واحد وفي بعضها وأن تغسل قال طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جداً انتهى‏.‏ وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة بعد ذكر حديث ابن عباس هذا‏:‏ رواه الدارقطني عن ابن عباس عن علي مرفوعاً وقال تفرد به هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم قال ابن الجوزي‏:‏ الوليد يدلس تدليس التسوية ولا أتهم به إلا النقاش يعني محمد بن الحسن بن محمد المقري شيخ الدارقطني‏.‏ قال ابن حجر هذا الكلام تهافت والنقاش بريء من عهدته فإن الترمذي أخرجه في جامعه من طريق الوليد به انتهى‏.‏ قال في اللاَلئ وأخرجه الحاكم عن أبي النضر الفقيه وأبي الحسن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس به وقال صحيح على شرط الشيخين ولم تركن النفس إلى مثل هذا من الحاكم فالحديث يقصر عن الحسن فضلاً عن الصحة وفي ألفاظه نكارة انتهى‏.‏

2024- باب في انْتِظارِ الفَرَجِ وَغَيْرِ ذَلِك

3711- حَدّثَنَا بِشْرُ بنُ مُعَاذٍ العَقَدِيّ البَصْرِيّ حدثنا حَمّادٌ بنُ وَاقِدٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَن أبي إسْحَاقَ عن أَبي الأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ الله قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ فَإِنّ الله عز وجلّ يُحِبّ أَنْ يُسْأَلَ وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرَجِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَكَذَا رَوَى حَمّادُ بنُ وَاقِدٍ هَذَا الْحَدِيث‏.‏ وقد خولف في روايته‏.‏ وَحَمّادُ بنُ وَاقِدٍ هذا هو الصفار لَيْسَ بالحَافِظِ وهو عندنا شيخ بصري وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ هَذَا الْحَدِيثَ عن إسْرَائِيلَ عن حَكِيمِ بنِ جُبَيْرٍ عَن رَجُلٍ عَن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل وحَدِيثُ أَبي نُعَيْمٍ أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ أَصَحّ‏.‏

3712- حدثنا أَحْمَدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا أَبو مُعَاوِيَةَ حدثنا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عن أبي عُثْمانَ عن زَيْدِ بنِ أَرْقَمَ رضي الله عنه قالَ‏:‏ ‏"‏كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَلِ وَالعَجْزِ والبُخْلِ‏"‏ وبهذَا الإسْنَادِ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ كانَ يَتَعَوّذُ مِنْ الهَرَمِ وعَذَابِ القَبْر‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

3713- حدثنا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرحْمَنِ أخبرنا محمّدُ بنُ يُوسُفَ عَن ابنِ ثَوْبَانَ عَن أَبِيهِ عَن مَكْحُولٍ عَن جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ أَنّ عُبَادَةَ بنَ الصّامِتِ حَدّثَهُمْ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏مَا عَلَى الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو الله تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إلاّ آتَاهُ الله إيّاهَا أوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ مأْثَمٍ أَوْ قَطِيعةِ رَحِمٍ‏"‏ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ‏:‏ إذاً نُكْثِرُ‏.‏ قَالَ‏:‏ ‏"‏الله أكْثَرُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صِحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وابنُ ثَوْبَانَ هُوَ عَبْدُ الرحْمَنِ بنُ ثَابِتٍ بنِ ثَوْبَانَ العابِدُ الشّامِيّ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏سلوا الله من فضله‏)‏ أي بعض فضله فإن فضله واسع وليس هناك مانع ‏(‏فإن الله يحب أن يسأل‏)‏ أي من فضله لأن يده تعالى ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ‏(‏وأفضل العبادة انتظار الفرج‏)‏ أي ارتقاب ذهاب البلاء والحزن بترك الشكاية إلى غيره تعالى وكونه أفضل العبادة لأن الصبر في البلاء انقياد للقضاء‏.‏ والفرج بفتحتين بالفارسية كشايش يقال فرج الله الغم عنه أي كشفه وأذهبه‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث‏)‏ وأخرجه ابن مردويه أيضاً من طريقه ‏(‏وحماد بن واقد‏)‏ العبسي أبو عمرو الصفار البصري ‏(‏ليس بالحافظ‏)‏ قال في تهذيب التهذيب في ترجمته وقال ابن معين ضعيف وقال البخاري منكر الحديث، وقال أبو زرعة لين الحديث له عند الترمذي حديث واحد وهو في انتظار الفرج وأعله انتهى مختصراً ‏(‏وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال الحافظ ابن كثير بعد نقل كلام الترمذي هذا‏:‏ وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع عن إسرائيل ‏(‏وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح‏)‏ لأن أبا نعيم وهو الفضل بن دكين الكوفي ثقة ثبت وأما حماد بن واقد فضعيف كما عرفت وفي طريق أبي نعيم عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا الرجل يحتمل أن يكون صحابياً ويحتمل أن يكون تابعياً وعلى الثاني يكون هذا الطريق مرسلاً‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي عثمان‏)‏ هو النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏اللهم إني أعوذ بك من الكسل والعجز والبخل‏)‏ قد تقدم تفسير هذه الألفاظ ‏(‏وبهذا الإسناد‏)‏ أي بالإسناد المتقدم ‏(‏من الهرم‏)‏ قال النووي المراد من الاستعاذة من الهرم الاستعاذة من الرد إلى أرذل العمر وسبب ذلك ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه بعض المنظر والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها ‏(‏وعذاب القبر‏)‏ من الضيق والظلمة والوحشة وضرب المقمعة ولدغ العقرب والحية وأمثالها ومما يوجب عذابه من النميمة وعدم التطهير ونحوها‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه ابن مسلم والنسائي مطولاً‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا محمد بن يوسف‏)‏ هو الضبي الفريابي ‏(‏عن ابن ثوبان‏)‏ هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي ثابت بن ثوبان العنسي الشامي ثقة من السادسة ‏(‏عن عبادة بن الصامت‏)‏ بن قيس الأنصاري الخزرجي‏.‏ أبي الوليد المدني أحد النقباء بدري مشهور مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وله اثنتان وسبعون سنة وقيل عاش إلى خلافة معاوية‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏إلا آتاه الله إياها‏)‏ أي تلك الدعوة وفي حديث جابر ‏"‏ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل‏"‏ ‏(‏أو صرف‏)‏ أي دفع ‏(‏عنه‏)‏ أي عن الداعي ‏(‏من السوء‏)‏ أي البلاء النازل أو غيره في أمر دينه أو دنياه أو بدنه ‏(‏مثلها‏)‏ أي مثل تلك الدعوة كمية وكيفية إن لم يقدر له وقوعه في الدنيا ‏"‏ما لم يدع بمأثم‏"‏ المأثم الأمر الذي يأثم به الإنسان أو هو الإثم نفسه ووقع في بعض النسخ بإثم ‏(‏أو قطيعة رحم‏)‏ تخصيص بعد تعميم والقطيعة أي الهجران والصد أي ترك البر إلى الأهل والأقارب ‏(‏إذاً‏)‏ أي إذا كان الدعاء لا يرد منه شيء ولا يخيب الداعي في شيء منه ‏(‏نكثر‏)‏ أي من الدعاء لعظيم فوائده ‏(‏قال‏)‏ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏الله أكثر‏)‏ قال الطيبي أي الله أكثر إجابة من دعائكم وقيل إن معناه فضل الله أكثر أي ما يعطيه من فضله وسعة كرمه أكثر مما يعطيكم في مقابلة دعائكم، وقيل الله أغلب في الكثرة فلا تعجزونه في الاستكثار فإن خزائنه لا تنفذ وعطاياه لا تفنى، وقيل الله أكثر ثواباً وعطاء مما في نفوسكم فأكثروا ما شئتم فإنه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد وأخرج أحمد عن أبي سعيد ‏"‏مرفوعاً ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث‏:‏ إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الاَخرة وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها‏.‏ وصححه الحاكم‏"‏‏.‏

2025- باب

3714- حدّثَنَا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ حدثنا جَرِيرٌ عَن مَنْصُورٍ عَن سَعْدِ بنِ عُبَيْدَةَ حدّثني البَرَاءُ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏إذَا أخَذْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضّأْ وَضُوءَكَ للصّلاَةِ ثُمّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقّكَ الأَيْمَنِ ثُمّ قُلْ اللّهُمّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفوّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَألْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إلاّ إلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الّذِي أنْزَلْتَ، وَبِنَبِيّكَ الّذِي أرْسَلْت، فَإِنْ متّ في لَيْلَتِكَ متّ عَلَى الفِطْرَةِ قالَ فَرَدَدْتُهنّ لأَسْتَذْكِرَهُ، فَقُلْتُ آمَنْتُ بِرَسُولِكَ الّذِي أَرْسَلْت فقالَ قُلْ آمَنْتُ بَنَبِيّكَ الّذِي أَرْسَلْتَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وهَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ وقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ البَرَاءِ وَلاَ نَعْلَمُ في شَيْءٍ مِنْ الرّوايَاتِ ذِكْرَ الْوُضُوءِ إلاّ في هَذَا الْحَدِيثِ‏.‏

3715- حدثنا عَبْدُ بنُ حُمَيْدٍ حدثنا محمّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ بنِ أَبي فدَيْكٍ أخبرنا ابنُ أَبي ذِئْبٍ عَن أبي سَعِيدٍ البرّاد عن معاذِ بن عبد الله بن خُبَيْبٍ عن أَبيهِ قالَ‏:‏ ‏"‏خَرَجْنَا في لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يُصَلّي لَنَا قالَ فأَدْرَكْتُهُ فقالَ‏:‏ قُلْ‏.‏ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئاً‏.‏ ثُمّ قالَ‏:‏ قُلْ فَلَمْ أَقُلْ شَيْئاً‏.‏ قالَ قُلْ فَقُلْتُ مَا أقُولُ قال قُلْ‏:‏ قُلْ ‏{‏هُوَ الله أَحَدٌ‏}‏ وَالمُعَوّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وتُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلّ شَيْء‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ‏.‏ وَأَبُو سَعِيدٍ البَرّادُ هُوَ أَسِيدُ بنُ أَبي أَسِيد مدني‏.‏

3716- حَدّثَنَا أَبُو مُوسَى محمدُ بنُ المُثَنّى أخرنا مُحمّدُ بنُ جَعْفَرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عَن يَزِيدَ بنِ خُمَيْرٍ الشاميّ عَن عَبْدِ الله بنِ بُسْرٍ قالَ‏:‏ ‏"‏نَزَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عَلَى أبِي فَقَرّبْنَا إلَيْهِ طَعَاماً فأَكَلَ مِنْهُ ثُمّ أُتِيَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النّوَى بِإِصْبَعَيْهِ جَمَعَ السّبّابَةَ وَالوُسْطَى- قالَ شُعْبَةُ وَهُوَ ظَنّي فيهِ إنْ شَاءَ الله- وَأَلْقَى النّوَى بَيْنَ إصْبَعَيْنِ ثُمّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ ثُمّ نَاولَهُ الّذِي عَن يَمِينِهِ قالَ فقَالَ أبِي وَأخَذَ بِلِجَامِ دَابّتِهِ ادْعُ لَنَا فَقالَ‏:‏ اللّهُمّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح وقد رُوي من غير هذا الوجه عن عبدالله بن بُسْر‏.‏

3717- حَدّثَنَا مُحَمّدُ بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ الشّنّيّ حدثني أبي عُمَرُ بنُ مُرّةَ قالَ سَمِعْتُ بِلاَلَ بنَ يَسَارِ بنِ زَيْدٍ مولى النبي صلى الله عليه وسلم حدثني أبِي عن جَدّي سَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏مَنْ قالَ أَسْتَغْفِرُ الله العظيم الّذي لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الحَيّ القَيّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ غَفَرَ الله لَهُ وَإن كانَ فَرّ مِنَ الزّحْفِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ‏.‏

3718- حَدّثنا محمُودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ حدثنا شُعْبَةُ عَن أبي جَعْفَرٍ عَن عُمَارَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ ثَابِتٍ عَن عُثْمَانَ بنِ حُنَيْفٍ‏:‏ ‏"‏أَنّ رَجُلاً ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالَ‏:‏ ادْعُ الله أَنْ يُعَافِيَنِي، قالَ إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قالَ فادْعُهْ، قالَ فَأَمَرَهُ أنْ يَتَوضّأَ فَيُحْسِنَ وَضُوءَهُ وَيَدْعُو بِهَذَا الدّعَاءِ‏:‏ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ وَأتَوَجّهُ إلَيْكَ بِنَبِيّكَ محمدٍ نَبِيّ الرّحْمَةِ إنّي تَوَجّهْتُ بِكَ إلى رَبّي في حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لي، اللّهُمّ فَشَفّعْهُ فيّ‏"‏ قال‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ أبي جَعْفَرٍ وَهُوَ غير الْخَطْمِيّ وعثمان بن حنيف هو أخو سهل بن حنيفٍ‏.‏

3719- حَدّثَنَا عَبْدُ الله بنُ عَبْدِ الرحمَنِ أخبرنا إسْحَاقُ بنُ مُوسَى حدثني مَعْنٌ حدثني مُعَاوِيَةُ بنُ صَالِحٍ عَن ضمْرَةَ بنِ حَبِيبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ رضي الله عنه يَقُولُ حدثني عَمْرُو بنُ عَبسَةَ أَنّهُ سَمِعَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرّبّ مِنَ العَبْدِ في جَوْفِ اللّيْلِ الاَخِرِ فإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمّنْ يَذْكُرُ الله في تِلْكَ السّاعَةِ فَكُنْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ‏.‏

3720- حَدّثَنَا أبُو الوَلِيدِ الدّمَشْقِيّ أحمد بن عبد الرحمن بن بكار حدثنا الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ حدثنا عُفَيْرُ بنُ مَعْدَانَ أنّهُ سَمِعَ أبَا دَوْسٍ اليَحْصُبِيّ يُحَدّثُ عن ابنِ عَائِذٍ اليَحْصُبِيّ عَن عِمَارَةَ بنِ زَعْكَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏إنّ الله عَزّ وَجَلّ يَقُولُ إنّ عَبْدِي كلّ عَبْدِي الذي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُلاَقٍ قِرْنَهُ‏"‏ يَعْنِي عِنْدَ القِتَالِ‏.‏ قال هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ لَيْسَ إسْنَادُهُ بالقَوِيّ‏.‏

ولا نعرف لعمارة بن زعكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث الواحد ومعنى قوله ‏"‏وهو ملاق قرنه‏"‏، إنما يعني عند القتال، يعني أن يذكر الله في تلك الساعة‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا جرير‏)‏ بن عبد الحميد ‏(‏عن منصور‏)‏ بن المعتمر ‏(‏عن سعد بن عبيدة‏)‏ السلمي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏إذا أخذت‏)‏ أي أتيت كما في رواية ‏"‏مضجعك‏"‏ بفتح الميم والجيم من ضجع يضجع من باب منع يمنع والمعنى‏:‏ إذا أردت النوم في مضجعك ‏"‏فتوضأ وضوءك للصلاة‏"‏ أي كوضوئك للصلاة فهو منصوب بنزع الخافض ‏(‏ثم اضطجع‏)‏ أصله اضتجع من باب الافتعال فقلبت التاء طاء ‏(‏على شقك‏)‏ بكسر المعجمة وتشديد القاف أي جانبك ‏(‏اللهم أسلمت‏)‏ أي استسلمت وانقدت والمعنى جعلت ذاتي منقادة لك تابعة لحكمك إذ لا قدرة لي على تدبيرها ولا على جلب ما ينفعها إليها ولا دفع ما يضرها عنها ‏(‏وفوضت أمري إليك‏)‏ من التفويض وهو تسليم الأمر إلى الله تعالى والمعنى توكلت عليك في أمري كله ‏(‏وألجأت‏)‏ أي أسندت ‏(‏ظهري إليك‏)‏ أي اعتمدت عليك في أمري كله لتعينني على ما ينفعني لأن من استند إلى شيء تقوى به واستعان به وخصه بالظهر لأن العادة جرت أن الإنسان يعتمد بظهره إلى من يستند إليه ‏(‏رغبة ورهبة إليك‏)‏ وفي رواية عند أحمد والنسائي‏:‏ ‏"‏رهبة منك ورغبة إليك‏"‏ أي طمعاً في رفدك وثوابك وخوفاً من عذابك ومن عقابك‏.‏ قال الطيبي‏:‏ منصوبان على العلة بطريق اللف والنشر أي فوضعت أموري طمعاً في ثوابك وألجأت ظهري من المكاره إليك مخافة من عذابك انتهى‏.‏ وقيل مفعول لهما لألجأت‏.‏ وقال القاري إن نصبهما على الحالية أي راغباً وراهباً أو الظرفية أي في حال الطمع والخوف يتنازع فيهما الأفعال المتقدمة كلها ‏(‏لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك‏)‏ أي لا مهرب ولا ملاذ ولا مخلص من عقوبتك إلا إلى رحمتك‏.‏

قال الحافظ‏:‏ أصل ملجأ بالهمزة ومنجا بغير همزة ولكن لما جمعا جازا أن يهمزا للازدواج وأن يترك الهمز فيهما وأن يهمز المهموز ويترك الاَخر فهذه ثلاثة أوجه ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة‏.‏ قال العيني‏:‏ إعرابهما مثل إعراب عصى وفي هذا التركيب خمسة أوجه لأنه مثل لا حول ولا قوة إلا بالله والفرق بين نصبه وفتحها بالتنوين وعدمه وعند التنوين تسقط الألف ثم إنهما إن كانا مصدرين يتنازعان منك وإن كانا مكانين فلا إذا اسم المكان لا يعمل وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجأ منك إلا إليك انتهى ‏(‏آمنت بكتابك‏)‏ يحتمل أن يريد به القرآن ويحتمل أن يريد اسم الجنس فيشمل كل كتاب أنزل ‏(‏ونبيك الذي أرسلت‏)‏ وقع في رواية ‏"‏أرسلته وأنزلته‏"‏ في الأول بزيادة الضمير المنصوب فيهما ‏(‏مت على الفطرة‏)‏ أي على دين الإسلام‏.‏ وقال الطيبي‏:‏ أي مت على الدين القويم ملة إبراهيم عليه السلام فإن إبراهيم عليه السلام أسلم واستسلم وقال أسلمت لرب العالمين وجاء ربه بقلب سليم ‏(‏فرددتهن‏)‏ أي رددت تلك الكلمات على النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏لأستذكره‏)‏ وفي رواية مسلم‏:‏ لأستذكرهن أي لأحفظ وأتذكر تلك الكلمات منه صلى الله عليه وسلم، وأما تذكير الضمير في هذا الكتاب فبتأويل الدعاء ‏(‏فقال‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏قل آمنت بنبيك الذي أرسلت‏)‏ ذكروا في إنكاره صلى الله عليه وسلم ورده اللفظ أوجهاً منها‏:‏ أمره أن يجمع بين صفتيه وهما الرسول والنبي صريحاً وإن كان وصف الرسالة يستلزم النبوة‏.‏ ومنها أن ذكره احتراز عمن أرسل من غير نبوة كجبريل وغيره من الملائكة عليهم السلام لأنهم رسل الأنبياء‏.‏ ومنها أنه يحتمل أن يكون رده دفعاً للتكرار لأنه قال في الأولى‏:‏ ‏"‏ونبيك الذي أرسلت‏"‏‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وأولى ما قيل في الحكمة في رده صلى الله عليه وسلم على من قال الرسول بدل النبي أن ألفاظ الأذكار توقيفية ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به‏.‏ وهذا اختيار المازري قال فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات فيتعين أداءها بحروفها‏.‏ وقال النووي في هذا الحديث ثلاث سنن مهمة مستحبة ليست بواجبة‏:‏ إحداها- الوضوء عند إرادة النوم فإن كان متوضأ كفاه ذلك الوضوء لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته وليكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه وترويعه إياه‏.‏ الثانية- النوم على الشق الأيمن لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن ولأنه أسرع إلى الانتباه‏.‏ الثالثة- ذكر الله تعالى ليكون خاتمة عمله انتهى‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي ‏(‏ولا نعلم في شيء من الروايات ذكر الوضوء الخ‏)‏ أي عند النوم‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي سعيد البراد‏)‏ قال في التقريب أسيد بفتح الهمزة بن أبي أسيد البراد أو سعيد المديني صدوق واسم أبيه يزيد وهو غير أسيد بن علي من الخامسة مات في خلافة المنصور ‏(‏عن معاذ بن عبد الله بن خبيب‏)‏ بضم معجمة وفتح موحدة أولى وسكون ياء الجهني المدني صدوق ربما وهم من الرابعة ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي عبد الله بن خبيب الجهني حليف الأنصار صحابي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏في ليلة مطيرة‏)‏ أي ذات مطر ‏(‏وظلمة‏)‏ أي وفي ظلمة ‏(‏يصلي لنا‏)‏ وفي رواية أبي داود ليصلي لنا ‏(‏فقال قل‏)‏ أي اقرأ ‏(‏قلت ما أقول‏)‏ أي ما أقرأ ‏(‏والمعوذتين‏)‏ بكسر الواو وتفتح أي ‏{‏قل أعوذ برب الناس‏}‏ ‏{‏وقل أعوذ برب الفلق‏}‏ ‏(‏تكفيك‏)‏ بالتأنيث أي السور الثلاث ‏(‏من كل شيء‏)‏ قال الطيبي أي تدفع عنك كل سوء فمن زائدة في الإثبات على مذهب جماعة وعلى مذهب الجمهور أيضاً لأن يكفيك متضمنة للنفي كما يعلم من تفسيرها بتدفع ويصح أن تكون لابتداء الغاية أي تدفع عنك من أول مراتب السوء إلى آخرها أو تبعيضية أي بعض كل نوع من أنواع السوء، ويحتمل أن يكون المعنى تغنيك عما سواها‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن يزيد بن خمير‏)‏ بخاء معجمة مصغراً ‏(‏نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي‏)‏ أي والدي ‏(‏فقال‏)‏ وفي رواية أحمد‏:‏ قال بغير الفاء ‏(‏فأكل منه‏)‏ أي الطعام ‏(‏ثم أتى بتمر‏)‏ أي جيء به ‏(‏ويلقي‏)‏ بضم أوله ‏(‏النوى‏)‏ جنس النواة ‏(‏بأصبعيه‏)‏ بتثليث الهمزة والموحدة ففيه تسع لغات والأشهر كسر الهمزة وفتح الموحدة ‏(‏جمع السبابة‏)‏ أي المسبحة ‏(‏قال شعبة وهو ظني فيه إن شاء الله وألقى النوى بين إصبعين‏)‏ وفي صحيح مسلم بإسناد الترمذي فكان يأكله ويلقي النوى بين إصبعيه ويجمع السبابة والوسطى‏.‏ قال شعبة هو ظني وهو فيه إن شاء الله إلقاء النوى بين الإصبعين‏.‏ وفيه‏:‏ وحدثنا محمد بن بشار قال أخبرنا ابن أبي عدي وحدثنيه محمد بن مثنى قال أخبرنا يحيى بن حماد كلاهما عن شعبة بهذا الإسناد ولم يشكا في إلقاء النوى بين الإصبعين قال النووي قوله‏:‏ ويلقي النوى بين إصبعيه أي يجعله بينهما لقلته ولم يلقه في إناء التمر لئلا يختلط بالتمر، وقيل كان يجمعه على ظهر الإصبعين ثم يرمي به وقوله قال شعبة هو ظني وفيه إن شاء الله إلقاء النوى معناه أن شعبة قال الذي أظنه إلقاء النوى مذكور في الحديث فأشار إلى تردد فيه وشك، وفي الطريق الثاني جزم بإثباته ولم يشك فهو ثابت بهذه الرواية‏.‏ وأما رواية الشك فلا تضر سواء تقدمت على هذه أو تأخرت لأنه تيقن في وقت وشك في وقت‏.‏ فاليقين ثابت ولا يمنعه النسيان في وقت آخر انتهى‏.‏ قلت‏:‏ وفي رواية لأحمد‏:‏ فكان يأكل التمر ويضع النوى على ظهر إصبعيه فهذه الرواية تؤيد ما قيل‏:‏ كان يجمعه على ظهر الإصبعين ثم يرمي به ‏(‏ثم أتى بشراب‏)‏ أي ماء أو ما يقوم مقامه ‏(‏ثم ناوله الذي عن يمينه‏)‏ فيه أن الشراب ونحوه يدار على اليمين ‏(‏وأخذ‏)‏ أي وقد أخذ جملة حالية معترضة بين القول والمقول وأخذ منه أنه يسن أخذ ركاب الأكابر ولجامه والضيف تواضعاً واستمالة ‏(‏أدع لنا‏)‏ فيه استحباب طلب الدعاء من الفاضل ودعاء الضيف بتوسعة الرزق والمغفرة والرحمة وقد جمع صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء خيرات الدنيا والاَخرة قاله النووي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم والنسائي وابن أبي شيبة‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن إسماعيل‏)‏ هو الإمام البخاري ‏(‏حدثنا حفص بن عمر‏)‏ بن مرة ‏(‏الشني‏)‏ بفتح المعجمة وتشديد النون البصري مقبول من السادسة ‏(‏حدثني أبي عمر بن مرة‏)‏ الشني البصري مقبول من الرابعة ‏(‏قال سمعت بلال بن يسار بن زيد‏)‏ القرشي مولاهم بصري مقبول ‏(‏حدثني أبي‏)‏ أي يسار بن زيد مقبول من الرابعة ‏(‏عن جدي‏)‏ أي زيد‏.‏ قال في التقريب زيد والد يسار مولى النبي صلى الله عليه وسلم صحابي له حديث ذكر أبو موسى المديني أن اسم أبيه بولا بموحدة وكان عبداً نوبياً‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم‏)‏ روي بالنصب على الوصف للفظ الله وبالرفع لكونهما بدلين أو بيانين لقوله هو، والأول هو الأكثر والأشهر‏.‏ وقال الطيبي يجوز في الحي القيوم النصب صفة لله أو مدحاً والرفع بدلاً من الضمير أو على المدح أو على أنه خبر مبتدأ محذوف ‏(‏وأتوب إليه‏)‏ ينبغي ألا يتلفظ بذلك إلا إذا كان صادقاً وألا يكون بين يدي الله كاذباً ولذا روي أن المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه ‏(‏وإن كان فر‏)‏ أي هرب ‏(‏من الزحف‏)‏ قال الطيبي‏:‏ الزحف الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف قال في النهاية من زحف الصبي إذا دب على إسته قليلاً قليلاً‏.‏ وقال المظهر هو اجتماع الجيش في وجه العدو أي من حرب الكفار حيث لا يجوز الفرار بأن لا يزيد الكفار على المسلمين مثلى عدد المسلمين ولا نوى التحرف والتحيز‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه أبو داود‏.‏ وقال المنذري في الترغيب بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه‏:‏ وإسناده جيد متصل فقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير أن بلالاً سمع من أبيه يسار وأن يسار سمع من أبيه زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اختلف في يسار والد بلال هل هو بالباء الموحدة، أو بالياء المثناة تحت، وذكر البخاري في تاريخه أنه بالموحدة والله أعلم، ورواه الحاكم من حديث ابن مسعود وقال صحيح على شرطهما إلا أنه قال يقولها ثلاثاً انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عمارة‏)‏ بضم أوله وتخفيف الميم ‏(‏بن خزيمة بن ثابت‏)‏ الأنصاري الأوسي المدني ثقة من الثالثة ‏(‏عن عثمان بن حنيف‏)‏ بالمهملة والنون مصغراً بن واهب الأنصاري الأوسي المدني صحابي شهير استعمله عمر على مساحة أرض الكوفة وعلي على البصرة قبل الجمل مات في خلافة معاوية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أن رجلاً ضرير البصر‏)‏ أي ضعيف النظر أو أعمى ‏(‏أدع الله أن يعافيني‏)‏ أي من ضرري في نظري ‏(‏قال إن شئت‏)‏ أي اخترت الدعاء ‏(‏دعوت‏)‏ أي لك ‏(‏وإن شئت‏)‏ أي أردت الصبر والرضا ‏(‏فهو‏)‏ أي الصبر ‏(‏خير لك‏)‏ فإن الله تعالى قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة ‏(‏قال‏)‏ أي الرجل ‏(‏فادعه‏)‏ بالضمير أي ادعه الله واسأل العافية، ويحتمل أن تكون الهاء للسكت‏.‏ قال الطيبي أسند النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء إلى نفسه وكذا طلب الرجل أن يدعو هو صلى الله عليه وسلم ثم أمره صلى الله عليه وسلم أن يدعو هو أي الرجل كأنه صلى الله عليه وسلم لم يرض منه اختياره الدعاء لما قال الصبر خير لك لكن في جعله شفيعاً له ووسيلة في استجابة الدعاء ما يفهم أنه صلى الله عليه وسلم شريك فيه ‏(‏فيحسن وضوءه‏)‏ أي يأتي بكمالاته من سننه وآدابه، وزاد في رواية ابن ماجه ويصلي ركعتين ‏(‏اللهم إني أسألك‏)‏ أي أطلبك مقصودي فالمفعول مقدر ‏(‏وأتوجه إليك بنبيك‏)‏ الباء للتعدية ‏(‏محمد نبي الرحمة‏)‏ أي المبعوث رحمة للعالمين ‏(‏إني توجهت بك‏)‏ أي استشفعت بك والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ففي رواية ابن ماجه يا محمد إني قد توجهت بك ‏(‏لتقضي لي‏)‏ بصيغة المجهول أي لتقضي لي حاجتي بشفاعتك ‏(‏فشفعه‏)‏ بتشديد الفاء أي اقبل شفاعته ‏(‏في‏)‏ أي في حقي قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه النسائي وزاد في آخره‏:‏ فرجع وقد كشف الله عن بصره، وأخرجه أيضاً ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وزاد فيه‏:‏ فدعا بهذا الدعاء فقام وقد أبصر، وأخرجه الطبراني وذكر في أوله قصة وهي أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له وكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف‏"‏ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي حاجتي وتذكر حاجتك ورح إلي حتى أروح معك‏"‏، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال ما حاجتك فذكر حاجته فقضاها له ثم قال ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة‏.‏ وقال ما كانت لك من حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في فقال عثمان بن حنيف والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو تصبر‏؟‏ فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات‏"‏ فقال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط‏.‏ قال الطبراني بعد ذكر طرقه والحديث صحيح كذا في الترغيب‏.‏ وقال الإمام ابن تيمية في رسالته التوسل والوسيلة بعد ذكر حديث عثمان بن حنيف هذا ما لفظه‏:‏ وهذا الحديث حديث الأعمى قد رواه المصنفون في دلائل النبوة كالبيهقي وغيره ثم أطال الكلام في بيان طرقه وألفاظها ‏(‏من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي‏)‏ قال الإمام ابن تيمية‏:‏ هكذا وقع في الترمذي وسائر العلماء قالوا هو أبو جعفر وهو الصواب انتهى‏.‏ قلت أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة رجلان أحدهما أبو جعفر الخطمي بفتح المعجمة وسكون المهملة اسمه‏:‏ عمير بن يزيد بن عمير بن حبيب الأنصاري المدني نزيل البصرة صدوق من السادسة والثاني غير الخطمي‏.‏ قال في التقريب أبو جعفر عن عمارة بن خزيمة قال الترمذي ليس هو الخطمي فلعله الذي بعده‏.‏ قلت‏:‏ والذي بعده هو أبو جعفر الرازي التميمي مولاهم واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان وأصله من مرو وكان يتجر إلى الري صدوق سيء الحفظ خصوصاً عن مغيرة من كبار السابعة‏.‏

تنبيه‏:‏

قال الشيخ عبد الغني في إنجاح الحاجة‏:‏ ذكر شيخنا عابد السندي في رسالته والحديث يدل على جواز التوسل والاستشفاع بذاته المكرم في حياته‏.‏ وأما بعد مماته فقد روى الطبراني في الكبير عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فذكر الحديث قال وقد كتب شيخنا المذكور رسالة مستقلة فيها التفصيل من أراد فليرجع إليها انتهى‏.‏ وقال الشوكاني في تحفة الذاكرين‏:‏ وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى وأنه المعطي المانع ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن انتهى‏.‏ وقال فيها في شرح قول صاحب العمدة‏:‏ ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين ما لفظه ومن التوسل بالأنبياء ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ثم قال‏:‏ وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عمر رضي الله عنه اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا الخ انتهى‏.‏ وقال في رسالته الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد‏:‏ وأما التوسل إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام‏:‏ إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث فيه‏.‏ ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه ابن ماجه وغيرهم أن أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث، قال وللناس في معنى هذا قولان أحدهما أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا وهو في صحيح البخاري وغيره فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته في الاستسقاء ثم توسل بعمه العباس بعد موته وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مثل هذا شافعاً وداعياً لهم، والقول الثاني أن التوسل به صلى الله عليه وسلم يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به صلى الله عليه وسلم في حياته وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعاً سكوتياً لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في توسله بالعباس رضي الله عنه، وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين الأول ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله عنهم، والثاني أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذ لا يكون الفاضل فاضلاً إلا بأعماله، فإذا قال القائل اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة، فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركاكما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة لهم ولا سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم‏.‏ وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى‏}‏ ونحو قوله تعالى ‏{‏فلا تدعوا مع الله أحداً‏}‏ ونحو قوله تعالى ‏{‏له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء‏}‏ ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه، فإن قولهم ‏{‏ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى‏}‏ مصرح بأنهم عبدوهم لذلك والمتوسل بالعالم مثلاً لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك، وكذلك قوله ‏{‏ولا تدعوا مع الله أحداً‏}‏ فإنه نهى عن أن يدعى مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان، والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏والذين يدعون من دونه‏}‏ الاَية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلاً لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه‏.‏

وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النزاع خروجاً زائداً على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى ‏{‏وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله‏}‏ فإن هذه الاَية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء، والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين ومن اعتقد هذا العبد من العباد سواء كان نبياً أو غير نبي فهو في ضلال مبين، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله ‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏ ‏{‏قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً‏}‏ فإن هاتين الاَيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف يملك لغيره، وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء، وقد جعل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم المقام المحمود لمقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى، وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى ‏{‏وأنذر عشيرتك الأقربين‏}‏ يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئاً، يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئاً، فإن هذا ليس فيها إلا التصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه، وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلاً عن غيرهم شيئاً من الله، وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سبباً للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين انتهى كلام الشوكاني‏.‏

قلت‏:‏ الحق عندي أن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته بمعنى التوسل بدعائه وشفاعته جائز وكذا التوسل بغيره من أهل الخير والصلاح في حياتهم بمعنى التوسل بدعائهم وشفاعتهم أيضاً جائز، وأما التوسل به صلى الله عليه وسلم بعد مماته وكذا التوسل بغيره من أهل الخير والصلاح بعد مماتهم فلا يجوز، واختاره الإمام ابن تيمية في رسالته التوسل والوسيلة وقد أشبع الكلام في تحقيقه وأجاد فيه فعليك أن تراجعها، ومن جملة كلامه فيها وإذا كان كذلك فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعياً له ولا شافعاً فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعاً بعد مماته كما كان يشرع في حياته بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به فلما مات لم يتوسلوا به بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت باتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر لا يأكل سمناً حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال‏:‏ اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون، وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة لم ينكره أحد مع شهرته وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في خلافته لما استسقى بالناس، فلو كان توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما ونعدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلائق وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله، فلما لم يقل ذلك أحد منهم وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره وشفاعة غيره علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به لا بذاته، وحديث الأعمى حجة لعمر وعامة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فإنه إنما أمر الأعمى أن يتوسل إلى الله بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه لا بذاته، وقال له في الدعاء ‏"‏قل اللهم فشفعه في‏"‏، وإذا قدر أن بعض الصحابة أمر غيره أن يتوسل بذاته لا بشفاعته ولم يأمر بالدعاء المشروع بل ببعضه وترك سائره المتضمن للتوسل بشفاعته كان ما فعله عمر بن الخطاب هو الموافق لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وكان المخالف لعمر محجوجاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليه لا له‏.‏ وقال فيها‏:‏ فأما التوسل بذاته في حضوره أو مغيبه أو بعد موته مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم فليس هذا مشروعاً عند الصحابة والتابعين بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا أو استشفعوا بمن كان حياً كالعباس ويزيد بن الأسود ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي صلى الله عليه وسلم لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد بل كانوا يصلون عليه في دعائهم، وقد قال عمر اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فجعلوا هذا بدلاً عن ذاك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه، وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله عز وجل أو السؤال به فيقولون نسألك أو نقسم عليك بنبيك أو بجاه نبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس انتهى‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏سمعت أبا أمامة‏)‏ الباهلي اسمه صدى بن عجلان‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏في جوف الليل‏)‏ خبر أقرب أي أقربيته تعالى من عباده كائنة في الليل‏.‏ قال الطيبي‏:‏ إما حال من الرب أي قائلاً في جوف الليل من يدعوني فأستجيب له الحديث سدت مسد الخبر ومن العبد أي قائماً في جوف الليل داعياً مستغفراً، ويحتمل أن يكون خبراً لأقرب فإن قلت‏:‏ المذكور في هذا الحديث ‏"‏أقرب ما يكون الرب من العبد‏"‏ وفي حديث أبو هريرة عن مسلم وغيره ‏"‏أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد‏"‏، أجيب بأنه قد علم من حديث أبي هريرة‏:‏ ‏"‏ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا‏"‏ الخ أن رحمته سابقة، فقرب رحمة الله من المحسنين سابق على إحسانهم فإذا سجدوا قربوا من ربهم بإحسانهم كما قال فاسجد واقترب، وفيه أن لطف الله وتوفيقه سابق على عمل العبد وسبب له ولولاه لم يصدر من العبد خير قط انتهى‏.‏ وقال ميرك‏:‏ فإن قلت ما الفرق بين هذا القول وقوله أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، قلت‏:‏ المراد ههنا بيان وقت كون الرب أقرب من العبد وهو جوف الليل، والمراد هناك بيان أقربية أحوال العبد من الرب وهو حال السجود فتأمل ‏(‏الاَخر‏)‏ صفة لجوف الليل على أنه بنصف الليل ويجعل لكل نصف جوفاً، القرب يحصل في جوف النصف الثاني فابتداءه يكون من الثلث الأخير وهو وقت القيام للتهجد قاله الطيبي‏.‏ وقال القاري ولا يبعد أن يكون ابتداؤه من أول النصف الأخير ‏(‏فإن استطعت‏)‏ أي قدرت ووفقت ‏(‏ممن يذكر الله‏)‏ في ضمن صلاة أو غيرها ‏(‏في تلك الساعة‏)‏ إشارة إلى لطفها ‏(‏فكن‏)‏ أي اجتهد أن تكون من جملتهم وهذا أبلغ مما لو قيل إن استطعت أن تكون ذاكراً فكن لأن الأولى فيها صفة عموم شامل للأنبياء والأولياء فيكون داخلاً فيهم‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه النسائي والحاكم وصححه وابن خزيمة في صحيحه‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو الوليد الدمشقي‏)‏ اسمه أحمد بن عبد الرحمن بن بكار ‏(‏أخبرنا الوليد بن مسلم‏)‏ القرشي الدمشقي ‏(‏حدثني عفير‏)‏ بضم عين وفتح فاء وسكون ياء مصغراً ‏(‏بن معدان‏)‏ بفتح ميم وسكون عين مهملة وخفة دال مهملة الحمصي المؤذن ضعيف من الثالثة ‏(‏سمع أبا دوس اليحصبي‏)‏ بفتح التحتية وسكون المهملة وضم الصاد وفتحها وبموحدة اسمه عثمان بن عبيد الشامي مقبول من السابعة، قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته روى له الترمذي حديثاً واحداً في الجهاد في مسند عمارة بن زعكرة ‏(‏عن ابن عائذ‏)‏ اسمه عبد الرحمن بن عائذ بتحتانية ومعجمة الثمالي بضم المثلثة ويقال الكندي الحمصي ثقة من الثالثة وقد وقع في النسخة الأحمدية أبي عائذ وهو غلط ‏(‏عن عمارة بن زعكرة‏)‏ بفتح الزاي والكاف بينهما غير مهملة ساكنة الكندي أبي عدي الحمصي صحابي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏إن عبدي كل عبدي‏)‏ أي عبدي حقاً ‏(‏الذي يذكرني وهو ملاق قرنه‏)‏ بكسر القاف وسكون الراء عدوه المقارن المكافئ له في الشجاعة والحرب فلا يغفل عن ربه حتى في حال معاينة الهلاك ‏(‏يعني عند القتال‏)‏ هذا تفسير من بعض رواة هذا الحديث ‏(‏وليس إسناده بالقوي‏)‏ لضعف عفير بن معدان‏.‏

2026- باب في فَضْلِ لا حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إِلاّ بالله

3721- حَدّثَنَا أبُو مُوسَى مُحمّدُ بنُ المُثَنّى حدثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ حدثنا أبي قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ مَنْصُورَ بنَ زَاذَانَ يُحَدّثُ عَن مَيْمُونِ بنِ أَبي شَبِيبٍ عَن قَيْسٍ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ ‏"‏أَنّ أَبَاهُ دَفَعَهُ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يَخْدُمُهُ قَالَ فَمَرّ بِيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ صَلّيْتُ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وقالَ أَلاَ أَدُلّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنّةِ‏؟‏ قُلْتُ بَلَى، قالَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بالله‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ‏.‏

3722- حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ حَدّثَنَا اللّيْثُ بنُ سَعْدٍ عَنْ عُبيدِ الله بنِ أَبي جَعْفَرٍ عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيم‏.‏ قال‏:‏ مَا نَهَضَ مَلَكٌ مِن الأَرضِ حَتّى قالَ‏:‏ لا حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إِلاّ بِالله‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن قيس بن سعد بن عبادة‏)‏ الخزرجي الأنصاري صحابي جليل مات سنة ستين تقريباً وقيل بعد ذلك‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏أن أباه‏)‏ أي سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاري الخزرجي أحد النقباء وأحد الأجواد مات بأرض الشام سنة خمس عشرة وقيل غير ذلك ‏(‏يخدمه‏)‏ أي ليخدمه ‏(‏قال‏)‏ أي قيس بن سعد ‏(‏فضربني برجله‏)‏ أي للتنبيه ‏(‏ألا أدلك‏)‏ يا قيس بن سعد ‏(‏قلت بلى‏)‏ أي دلني ‏(‏لا حول ولا قوة إلا بالله‏)‏ سبق معناه في باب ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد‏.‏ قال النووي‏:‏ هي كلمة استسلام وتفويض وأن العبد لا يملك من أمره شيئاً وليس له حيلة في دفع شر ولا قوة في جلب خير إلا بإرادة الله تعالى انتهى‏.‏ قال المناوي‏:‏ لما تضمنت هذه الكلمة براءة النفس من حولها وقوتها إلى حول الله وقوته كانت موصلة إليها والباب ما يتوصل منه إلى المقصود‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح على شرطهما‏.‏

2027- باب في فضل التسبيح والتهليل والتقديس

3723- حَدّثَنَا مُوسَى بنُ حِزَامٍ وَعْبدُ بنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قالُوا أخبرنا مُحمّدُ بنُ بِشْرٍ فقَال سَمِعْتُ هَانِئ بنَ عُثْمَانَ عَن أُمّهِ حُمَيْضَةَ بِنْتِ يَاسِرٍ عَنْ جَدّتِهَا يُسَيْرَةَ وكَانَتْ مِنَ المُهَاجِرَاتِ قالَتْ‏:‏ قالَ لَنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏عَلَيْكُنّ بالتّسْبِيحِ وَالتّهْلِيلِ والتّقْدِيسِ وَاعْقِدْنَ بالأنَامِلِ فإنّهُنّ مَسْؤُولاَت مُسْتَنْطَقَات وَلاَ تَغْفَلْنَ فَتَنْسَيْنَ الرّحْمَةَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غريبٌ إنّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ هَانِئ بنِ عُثْمانَ وقَدْ روى مُحمّدُ بنُ رَبِيْعَةَ عَن هانئ بنِ عُثْمَانَ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا موسى بن حزام‏)‏ بزاي أبو عمران الترمذي ‏(‏أخبرنا محمد بن بشر‏)‏ هو العبدي ‏(‏سمعت هانئ بن عثمان‏)‏ الجهني أبا عثمان الكوفي مقبول من السادسة ‏(‏عن أمه حميضة‏)‏ بضم حاء وفتح ميم وسكون تحتية وإعجام ضاد ‏(‏بنت ياسر‏)‏ بمثناة تحت وكسر سين مقبولة من الرابعة ‏(‏عن جدتها يسيرة‏)‏ بمثناة تحتية مضمومة وسين وراء مهملتين بينهما مثناة تحتية ويقال أسيرة بالهمز أم ياسر صحابية من الأنصاريات ويقال من المهاجرات كذا في التقريب‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏قال لنا‏)‏ أي معشر النساء ‏(‏عليكن‏)‏ اسم فعل بمعنى الزمن وأمسكن ‏(‏بالتسبيح‏)‏ أي بقول سبحان الله ‏(‏والتهليل‏)‏ أي قولا لا إله إلا الله ‏(‏والتقديس‏)‏ أي قول سبحان الملك القدوس أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح ‏(‏واعقدن‏)‏ بكسر القاف أي اعددن عدد مرات التسبيح وما عطف عليه ‏(‏بالأنامل‏)‏ أي بعقدها أو برؤوسها يقال عقد الشيء بالأنامل عده‏.‏ قال الطيبي‏:‏ حرضهن صلى الله عليه وسلم على أن يحصين تلك الكلمات بأناملهن ليحط عنها بذلك ما اجترحته من الذنوب ويدل على أنهن كن يعرفن عقد الحساب انتهى‏.‏ والأنامل جمع أنملة بتثليث الميم والهمز تسع لغات التي فيها الظفر كذا في القاموس والظاهر أن يراد بها الأصابع من باب إطلاق البعض وإرادة الكل عكس ما ورد في قوله تعالى ‏{‏يجعلون أصابعهم في آذانهم‏}‏ للمبالغة ‏(‏فإنهن‏)‏ أي الأنامل كسائر الأعضاء ‏(‏مسؤولات‏)‏ أي يسألن يوم القيامة عما اكتسبن وبأي شيء استعملن ‏(‏مستنطقات‏)‏ بفتح الطاء أي متكلمات بخلق النطق فيها فيشهدن لصاحبهن أو عليه بما اكتسبه‏.‏ قال تعالى ‏{‏يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون‏}‏‏.‏ ‏{‏وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم‏}‏ وفيه حث على استعمال الأعضاء فيما يرضي الرب تعالى وتعريض بالتحفظ عن الفواحش والاَثام ‏(‏ولا تغفلن‏)‏ بضم الفاء‏.‏ والفتح لحن، أي عن الذكر يعني لا تتركن الذكر ‏(‏فتنسين الرحمة‏)‏ بفتح التاء بصيغة المعروف من النسيان أي فتتركن الرحمة ويجوز أن يكون بضم التاء بصيغة المجهول من الإنساء قال القاري‏:‏ والمراد بنسيان الرحمة نسيان أسبابها أي لا تتركن الذكر فإنكن لو تركتن الذكر لحرمتن ثوابه فكأنكن تركتن الرحمة‏.‏ قال تعالى ‏{‏فاذكروني‏}‏ أي بالطاعة ‏{‏أذكركم‏}‏ أي بالرحمة‏.‏ قال الطيبي ‏"‏لا تغفلن‏"‏ نهي لأمرين أي لا تغفلن عما ذكرت لكن من اللزوم علي الذكر والمحافظة عليه والعقد بالأصابع توثيقاً وقوله ‏"‏فتنسين‏"‏ جواب لو أي أنكن لو تغفلن عما ذكرت لكن لتركتن سدى عن رحمة الله وهذا من باب قوله تعالى ‏{‏ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي‏}‏ أو لا يكن منكم الغفلة فيكون من الله ترك الرحمة فعبر بالنسيان عن ترك الرحمة كما في قوله تعالى ‏{‏وكذلك اليوم تنسى‏}‏‏.‏

تنبيه‏:‏

اعلم أن للعرب طريقة معروفة في عقود الحساب تواطأوا عليها وهي أنواع من الاَحاد والعشرات والمئين والألوف، أما الاَحاد فللواحد عقد الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف، وللاثنين عقد البنصر معها كذلك، وللثلاثة عقد الوسطى معها كذلك، وللأربعة حل الخنصر، وللخمسة حل البنصر معها دون الوسطى، وللستة عقد البنصر وحل جميع الأنامل، وللسبعة بسط الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف، وللثمانية بسط البنصر فوقها كذلك، وللتسعة بسط الوسطى فوقها كذلك‏.‏ وأما العشرات فلها الإبهام والسبابة فللعشرة الأولى عقد رأس الإبهام على طرف السبابة، وللعشرين إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى، وللثلاثين عقد رأس السبابة على رأس الإبهام عكس العشرة، وللأربعين تركيب الإبهام على العقد الأوسط من السبابة وعطف الإبهام إلى أصلها، وللخمسين عطف الإبهام إلى أصلها وللستين تركيب السبابة على ظهر الإبهام عكس الأربعين، وللسبعين إلقاء رأس الإبهام على العقد الأوسط من السبابة ورد طرف السبابة إلى الإبهام، وللثمانين رد طرف السبابة إلى أصلها وبسط الإبهام على جنب السبابة من ناحية الإبهام، وللتسعين عطف السبابة إلى أصل الإبهام وضمها بالإبهام‏.‏ وأما المئين فكالاَحاد إلى تسعمائة في اليد اليسرى، والألوف كالعشرات في اليسرى‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث إنما نعرفه من حديث هانئ بن عثمان‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وسكت عنه أبو داود والمنذري‏.‏

2028- باب في الدعاء إذا غزا

3724- حَدّثَنَا نَصْرُ بنُ عَلِيّ الْجَهْضَمِيّ قال‏:‏ أخْبَرَنِي أبي عَن المُثَنّى بنِ سَعِيدٍ عَن قَتَادَةَ عن أَنَسٍ قالَ‏:‏ ‏"‏كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا غَزَا قَالَ‏:‏ اللّهُمّ أَنْتَ عَضُدِي وَأنْتَ نَصِيري وَبِكَ أُقَاتِلُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ومعنى قوله عَضُدي يعني عوني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا نصر بن علي‏)‏ بن نصر بن علي الجهضمي ‏(‏قال أخبرني أبي‏)‏ أي علي بن نصر بن علي الجهضمي ‏(‏عن المثنى‏)‏ بضم الميم وفتح المثلثة وتشديد النون مقصوراً ‏(‏بن سعيد‏)‏ الضبعي البصري القسام القصير ثقة من السادسة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏اللهم أنت عضدي‏)‏ بفتح مهملة وضم معجمة أي معتمدي فلا أعتمد على غيرك، وقال في القاموس‏:‏ العضد بالفتح وبالضم وبالكسر وككتف وندس وعنق ما بين المرفق إلى الكتف والعضد الناصر والمعين وهم عضدي وأعضادي ‏(‏وأنت نصيري‏)‏ أي معيني ومغيثي عطف تفسيري ‏(‏وبك‏)‏ أي بحولك وقوتك وعونك ونصرتك ‏(‏أقاتل‏)‏ أي أعداءك حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان وابن أبي شيبة وأبو عوانة وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره‏.‏

2029- باب في دعاء يوم عرفة

3725- حَدّثَنَا أبُو عمر ومُسْلِمُ بنُ عَمْرٍو الْحَذّاءُ المَدِينِيّ قال‏:‏ حدثَني عَبْدُ الله بنُ نَافِعٍ عَنْ حَمّادِ بنِ أبي حُمَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بنِ شُعْيبٍ عَن أبِيهِ عَن جَدّهِ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏خَيْرُ الدّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أنا والنّبِيّونَ مِنْ قَبْلِي‏:‏ لاَ إلَهَ إلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كلّ شَيْءٍ قَديرٌ‏"‏ قال‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏ وَحَمّادُ بنُ أبي حُمَيْدٍ هُوَ مُحمّدُ بنُ أبي حُمَيْدٍ وَهُوَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الأَنْصَارِيّ المَدَنِيّ وَلَيْسَ هو بالقَوِيّ عِنْدَ أهْلِ الْحَدِيث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثني عبد الله بن نافع‏)‏ الصائغ مولى بني مخزوم‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏خير الدعاء دعاء يوم عرفة‏)‏ لأنه أجزل إثابة وأعجل إجابة، قال الطيبي‏:‏ الإضافة فيه إما بمعنى اللام أي دعاء يختص به ويكون قوله‏:‏ ‏"‏وخير ما قلت والنبيون من قبلي لا إله إلا الله‏"‏‏.‏ بياناً لذلك الدعاء فإن قلت هو ثناء قلت في الثناء تعريض بالطلب‏.‏ وإما بمعنى في لعم الأدعية الواقعة فيه انتهى ‏(‏وخير ما قلت‏)‏ قال في اللمعات أي دعوت والدعاء هو لا إله إلا الله وحده الخ، وتسميته دعاء إما لأن الثناء على الكريم تعريض بالدعاء والسؤال، وأما لحديث ‏"‏من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين‏"‏ هكذا قالوا‏.‏ ولا يخفى أن عبارة هذا الحديث لا تقتضي أن يكون الدعاء قوله لا إله إلا الله الخ بل المراد أن خير الدعاء ما يكون يوم عرفة أي دعاء كان، وقوله وخير ما قلت إشارة إلى ذكر غير الدعاء فلا حاجة إلى جعل ما قلت بمعنى ما دعوت ويمكن أن يكون هذا الذكر توطية لتلك الأدعية لما يستحب من الثناء على الله قبل الدعاء انتهى‏.‏ قلت‏:‏ الاحتمال الأول الذي ذكره الطيبي يؤيده رواية الطبراني ورواية أحمد الاَتيتان‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه مالك في الموطأ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز إلى قوله‏:‏ لا شريك له‏.‏ قال القاري‏:‏ ورواه الطبراني بلفظ‏:‏ أفضل ما قلت والنبيون قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله الخ وسنده حسن جيد كما قاله الأذرعي انتهى، وأخرجه أيضاً أحمد بإسناد رجاله ثقات بلفظ‏:‏ كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك الخ‏.‏

2030- باب

3726- حَدّثَنَا مُحمّدُ بنُ حُمَيْدٍ حدثنا عَلِيّ بنُ أبي بَكْرٍ عَن الْجَرّاحِ بنِ الضّحّاكِ الكِنْدِيّ عن أبي شَيْبَةَ عَن عَبْدِ الله بنِ عُكَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطّابِ قالَ‏:‏ ‏"‏عَلّمَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ قُلْ اللّهُمّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي خَيْراً مِنْ عَلاَنِيَتِي واجْعَلْ عَلاَنِيَتِي صَالِحَةً‏.‏ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ مِنْ صَالِحِ مَا تُؤْتِي النّاسَ مِنَ المَالِ وَالأهْلِ والوَلَدِ غَيْرِ الضّال وَلاَ المُضِلّ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بالْقَوِيّ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن حميد‏)‏ بن حيان الرازي ‏(‏حدثنا علي بن أبي بكر‏)‏ الإسفذني ‏(‏عن الجراح بن الضحاك‏)‏ بن قيس الكندي الكوفي صدوق من السابعة ‏(‏عن أبي شيبة عن عبد الله بن عكيم‏)‏ قال في التقريب‏:‏ أبو شيبة عن عبد الله بن عكيم يحتمل أن يكون أحد هؤلاء وإلا فمجهول من السادسة انتهى، والمراد بهؤلاء المكنون بأبي شيبة المذكورون قبله ‏(‏علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي دعاء ‏(‏قال‏)‏ بيان لقوله علمني ‏(‏اللهم اجعل سريرتي‏)‏ هي السر بمعنى وهو ما يكتم ‏(‏خيراً من علانيتي‏)‏ بالتخفيف ‏(‏واجعل علانيتي صالحة‏)‏ طلب أولاً سريرة خيراً من العلانية ثم عقب بطلب علانية صالحة لدفع توهم أن السريرة ربما تكون خيراً من علانية غير صالحة ‏(‏إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس‏)‏ قيل من زائدة كما هو مذهب الأخفش وقوله ‏(‏من المال والأهل والولد‏)‏ بيان ما ويجوز أن تكون ما للتبعيض ‏(‏غير الضال‏)‏ أي بنفسه ‏(‏ولا المضل‏)‏ أي لغيره قال الطيبي‏:‏ مجرور بدل من كل واحد من الأهل والمال والولد ويجوز أن يكون الضال بمعنى النسبة أي غير ذي ضلال‏.‏

2031- باب

3727- حَدّثَنَا عُقْبَةُ بنُ مُكْرَمٍ حدثنا سَعِيدُ بنُ سُفْيَانَ الْجَحْدَرِيّ حدثنا عَبْدُ الله بنُ معْدَانَ قال أخبرني عَاصِمُ بنُ كُلَيْبٍ الْجَرمِيّ عَن أبِيهِ عَن جَدّهِ قالَ‏:‏ ‏"‏دَخَلْتُ عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهُوَ يُصَلّي وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى عَلَى فَخذِهِ اليُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ اليُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ وبَسَطَ السّبّابَةَ وَهُوَ يَقُولُ‏:‏ يَا مُقَلّبَ القُلُوبِ ثَبّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري‏)‏ بفتح جيم وسكون حاء وفتح دال مهملتين وبراء البصري صدوق يخطئ من التاسعة ‏(‏حدثنا عبد الله بن معدان‏)‏ المكي المكنى بأبي معدان مقبول من السابعة روي عن جدته وعاصم بن كليب وغيرهما وعنه وكيع وسعيد بن سفيان الجحدري وغيرهما ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي كليب بن شهاب صدوق من الثانية ‏(‏عن جده‏)‏ أي شهاب بن المجنون ويقال شهاب بن كليب بن شهاب ويقال شهاب بن أبي شيبة ويقال شبيب ويقال شتير صحابي له هذا الحديث قوله‏:‏ ‏(‏يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك‏)‏ تقدم شرح هذا في باب ما جاء‏:‏ أن القلوب بين إصبعي الرحمَن‏.‏ من أبواب القدر‏.‏

2032- باب في الرقية إذا اشتكى

3728- حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بنُ عَبْدِ الصّمَدِ حدثني أبي حدثنا مُحمّدُ بنُ سَالِمٍ حَدّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيّ قالَ قالَ لِي‏:‏ ‏"‏يا مُحمّدُ إذا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي ثُمّ قُلْ‏:‏ بِسْمِ الله أَعُوذُ بِعِزّةِ الله وقُدْرَتِهِ مِنْ شَرّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي هَذَا ثُمْ ارْفَعْ يَدَكَ ثُمّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْراً فإِنّ أنَسَ بنَ مَالِكٍ حَدّثَنِي أنّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم حَدّثَهُ بِذَلِكَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏ ومحمد بن سالم هذا شيخ بصري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن سالم‏)‏ الربعي البصري مقبول من السابعة قوله‏:‏ ‏(‏قال‏)‏ أي محمد بن سالم ‏(‏قال‏)‏ أي ثابت البناني ‏(‏يا محمد‏)‏ هو ابن سالم ‏(‏إذا اشتكيت‏)‏ أي مرضت ‏(‏فضع يدك‏)‏ أي اليمنى كما في حديث عثمان بن أبي العاص الاَتي ‏(‏حيث تشتكي‏)‏ أي على المحل الذي يؤلمك ويوجعك ‏(‏ثم قل‏)‏ حال الوضع ‏(‏بسم الله‏)‏ أي استشفى باسم الله ‏(‏أعوذ‏)‏ أي أعتصم ‏(‏بعزة الله‏)‏ أي غلبته وعظمته ‏(‏من وجعي‏)‏ أي مرضي ‏(‏ثم ارفع يدك‏)‏ عنه ‏(‏ثم أعد ذلك‏)‏ أي الوضع والتسمية والتعوذ بهؤلاء الكلمات‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه الحاكم‏.‏ وروى الترمذي في الطب عن عثمان بن أبي العاص أنه قال‏:‏ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وبي وجع قد كاد يهلكني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏امسح بيمينك سبع مرات وقل أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد‏"‏‏.‏ قال ففعلت فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم‏.‏

2033- باب دعاء ام سلمة

3729- حَدّثَنَا حُسَيْنُ بنُ عَلِيّ بنِ الأسْوَدِ البَغْدَادِيّ حدثنا مُحمّدُ بنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بنِ إسْحَاقَ عَن حَفْصَةَ بِنْتِ أبي كَثِيرٍ عَن أبِيهَا أبي كَثِيرٍ عَن أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ‏:‏ ‏"‏عَلّمَنِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ قُولِي اللّهُمّ هَذَا اسْتِقْبَالُ لَيْلِكَ، واسْتِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دعواتك، وَحُضُورُ صَلَوَاتِكَ، أسْأَلُكَ أنْ تَغْفِرَ لِي‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَريبٌ إِنّمَانعرِفُهُ من هَذَا الْوَجْهِ‏.‏ وَحَفْصَةُ بِنْتُ أبِي كَثِير لا نَعْرِفُهَا وَلاَ أباها‏.‏

3730- حَدّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ عَلِيّ بنِ يَزِيدَ الصّدَائِيّ البَغْدَادِيّ أخبرنا الْوَلِيدُ بنُ القَاسِم بن الوليد الْهَمْدَانِيّ عَن يَزِيدَ بنِ كَيْسَانَ عَن أبي حَازِمٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا قالَ عَبْدٌ لاَ إلَهَ إلاّ الله قَطّ مُخْلِصاً إلاّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السّمَاءِ حَتّى تُفْضِي إلى العَرْشِ ما اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

3731- حَدّثَنَا سُفْيَانُ بنُ وَكِيعٍ حدثنا أَحْمَدُ بنُ بَشِيرٍ وأبُو أُسَامَةَ عَن مِسْعَرٍ عَن زِيَادِ بنِ عَلاَقَةَ عَن عَمّهِ قالَ كَانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأخْلاَقِ وَالأعْمَالِ وَالأهْوَاءِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَعمّ زِيَادِ بنِ عَلاَقَةَ هُوَ قُطْبَةُ بنُ مَالِكٍ صَاحِبُ النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

3732- حَدّثَنَا أَحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيمَ الدّوْرَقِيّ حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ حدثنا الْحَجّاجُ بنُ أبي عُثْمَانَ عَن أَبي الزّبَيْرِ عَنْ عَوْن بنِ عَبْدِ الله عَنْ ابنِ عُمَرَ قالَ رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلّي مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إذْ قالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ الله أَكْبَرُ كَبِيراً وَالْحَمْدُ لله كَثِيراً وَسُبْحَانَ الله بُكُرَةً وأصِيلاً، فقالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ مَنِ القَائِلُ كَذَا وَكَذَا‏؟‏ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ أَنَا يَا رَسُولَ الله‏.‏ قَالَ‏:‏ عَجِبْتُ لَهَا فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السّمَاءِ‏.‏ قالَ ابنُ عُمَرَ مَا تَرَكْتُهُنّ مُنْذُ سَمِعْتُهم مِنْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ وحَجّاجُ بنُ أبي عُثْمَانَ هُوَ حَجّاجُ بنُ مَيْسَرَةَ الصّوّافُ وَيُكْنَى أَبَا الصّلْتِ وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أهْلِ الْحَدِيثِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الرحمن بن إسحاق‏)‏ أبي شيبة الواسطي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏قولي‏)‏ أي عند أذان المغرب كما في رواية أبي داود ‏(‏اللهم هذا‏)‏ إشارة إلى ما في الذهن وهو مبهم مفسر بالخبر قاله الطيبي‏.‏ قال القاري‏:‏ والظاهر أنه إشارة إلى الأذان لقوله‏:‏ وأصوات دعائك ‏(‏استقبال ليلك‏)‏ وفي رواية أبي داود إقبال ليلك أي هذا الأذان أوان إقبال ليلك ‏(‏واستدبار نهارك‏)‏ أي في الأفق ‏(‏وأصوات دعائك‏)‏ أي في الاَفاق جمع داع كقضاة جمع قاض وهو المؤذن‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود والحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد، والبيهقي في كتاب الدعوات الكبير ‏(‏وحفصة بنت أبي كثير لا نعرفها ولا أباها‏)‏ وقال الذهبي في الميزان لا يعرفان‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الحسين بن علي بن يزيد الصدائي‏)‏ بضم صاد وخفة دال مهملتين فألف فهمزة نسبته إلى صداء وصدوق من الحادية عشرة ‏(‏وأخبرنا الوليد بن قاسم الهمداني‏)‏ ثم الخبذعي الكوفي صدوق يخطئ من الثامنة ‏(‏عن أبي حازم‏)‏ اسمه سلمان الأشجعي الكوفي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصاً‏)‏ أي من غير رياء وسمعة، ومؤمناً غير منافق ‏(‏إلا فتحت‏)‏ بالتخفيف وتشدد ‏(‏له‏)‏ أي لهذا الكلام أو القول فلا تزال كلمة الشهادة صاعدة ‏(‏حتى تفضي‏)‏ بضم التاء وكسر المعجمة بصيغة المعروف من الإفضاء أي تصل ‏(‏ما اجتنب‏)‏ أي صاحبه ‏(‏الكبائر‏)‏ أي وذلك مدة تجنب قائلها الكبائر من الذنوب‏.‏ قال الطيبي‏:‏ حديث عبد الله بن عمرو الذي فيه‏:‏ ولا إله إلا الله‏.‏ ليس لها حجاب دون الله حتى تخلص إليه، دل على تجاوزه من العرش حتى انتهى إلى الله تعالى، والمراد من ذلك سرعة القبول، والاجتناب عن الكبائر شرط للسرعة لا لأجل الثواب والقبول‏.‏ قال القاري أو لأجل كمال الثواب وأعلى مراتب القبول لأن السيئة لا تحبط الحسنة بل الحسنة تذهب السيئة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه النسائي وابن حبان‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏وأبو أسامة‏)‏ اسمه حماد بن أسامة ‏(‏عن زياد بن علاقة‏)‏ بكسر العين المهملة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق‏)‏ المنكر ما لا يعرف حسنه من جهة الشرع أو ما عرف قبحه من جهته والمراد بالأخلاق الأعمال الباطنة ‏(‏والأعمال‏)‏ أي الأفعال الظاهرة ‏(‏والأهواء‏)‏ جمع الهوى مصدر هواه إذا أحبه ثم سمي بالهوى المشتهى محموداً كان أو مذموماً ثم غلب على غير المحمود كذا في المغرب‏.‏ قال الطيبي‏:‏ الإضافة في القرينتين الأوليين من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف وفي الثالثة بيانية لأن الأهواء كلها منكرة انتهى‏.‏ قال القاري‏:‏ والأظهر أن الإضافات كلها من باب واحد ويحمل الهوى على المعنى اللغوي كما في قوله تعالى ‏{‏ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله‏}‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم والطبراني في الكبير ‏(‏وعم زياد بن علاقة هو قطبة‏)‏ بضم القاف وسكون الطاء وفتح الموحدة‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا إسماعيل بن إبراهيم‏)‏ هو ابن علية‏:‏ قوله‏:‏ ‏(‏الله أكبر‏)‏ بالسكون ويضم ‏(‏كبيراً‏)‏ حال مؤكدة وقيل منصوب بإضمار أكبر وقيل صفة لمحذوف أي تكبيراً كبيراً وافعل لمجرد المبالغة أو معناه أعظم من أن يعرف عظمته‏.‏ قال ابن الهمام إن أفعل وفعيلا في صفاته تعالى سواء لأنه لا يراد بأكبر إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء ‏(‏والحمد لله كثيراً‏)‏ صفة لموصوف مقدر أي حمداً كثيراً ‏(‏وسبحان الله بكرة وأصيلاً‏)‏ أي في أول النهار وآخره منصوبان على الظرفية والعامل سبحان وخص هذين الوقتين لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما كذا ذكره الأبهري وصاحب المفاتيح‏.‏ وقال الطيبي الأظهر أن يراد بهما الدوام كما في قوله تعالى ‏{‏ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا‏}‏ ‏(‏كذا وكذا‏)‏ وفي رواية مسلم كلمة كذا وكذا‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

2034- باب أيّ الكلاَمِ أحَبّ إلى الله

3733- حَدّثَنَا أَحْمَدُ بنُ إبْرَاهِيمَ الدّوْرَقِيّ حدثنا إسْمَاعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ قال‏:‏ أخبرنا الْجُرَيْرِيّ عَن أبي عَبْدِ الله الْجَسْرِيّ عَن عَبْدِ الله بنِ الصّامِتِ عَن أبي ذَرّ ‏"‏أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عَادَهُ أوْ أنّ أبَا ذَرّ عَادَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ بِأَبي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ الله أَيّ الكلاَمِ أَحبّ إلى الله عز وجلّ‏؟‏ فَقَالَ مَا اصْطَفَاهُ الله لِملاَئِكَتِهِ سُبْحَانَ رَبّي وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ رَبّي وَبِحَمْدِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي عبد الله الجسري‏)‏ بفتح الجيم وكسرها وسكون السين المهملة نسبة إلى جسر بطن من عنزة وقضاعة واسمه حميري بكسر الحاء وبالواو بلفظ النسبة ابن بشير ثقة يرسل من الثالثة قوله‏:‏ ‏(‏أو أن أبا ذر‏)‏ كلمة أو للشك من الراوي ‏(‏ما اصطفاه الله لملائكته‏)‏ أي الذي اختاره من الذكر للملائكة وأمرهم بالدوام عليه لغاية فضيلته ‏(‏سبحان ربي‏)‏ أي أنزهه من كل سوء ‏(‏وبحمده‏)‏ الواو للحال أي أسبح ربي متلبساً بحمده أو عاطفة أي أسبح ربي وأتلبس بحمده يعني أنزهه عن جميع النقائص وأحمده بأنواع الكمالات‏.‏ قال الطيبي‏:‏ لمح به إلى قوله تعالى ‏{‏ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك‏}‏ وفي رواية لمسلم أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده‏.‏ قال النووي‏:‏ هذا محمول على كلا الاَدمي وإلا فالقرآن أفضل وكذا قراءة القرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، فأما المأثور في وقت أو حال ونحو ذلك فالاشتغال به أفضل انتهى‏.‏ وفي الحديث أن أحب الكلام إلى الله‏:‏ سبحان الله وبحمده‏.‏ وهذا بظاهره يعارض حديث جابر الذي تقدم في باب أن دعوة المسلم مستجابة بلفظ‏:‏ أفضل الذكر لا إله إلا الله، وقد جمع القرطبي بما حاصله أن هذه الأذكار إذا أطلق على بعضها أنه أفضل الكلام أو أحبه إلى الله فالمراد إذا انضمت إلى أخواتها بدليل حديث سمرة عند مسلم‏:‏ أحب الكلام إلى الله أربع لا يضرك بأيهن بدأت‏:‏ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ويحتمل أن يكتفي في ذلك بالمعنى فيكون من اقتصر على بعضاً كفى لأن حاصلها التعظيم والتنزيه ومن نزهه فقد عظمه ومن عظمه فقد نزهه انتهى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ويحتمل أن يجمع بأن تكون من مضمرة في قوله أفضل الذكر لا إله إلا الله وفي قوله أحب الكلام إلى الله بناء على أن لفظ أفضل وأحب متساويان في المعنى لكن يظهر مع ذلك تفضيل لا إله إلا الله لأنها ذكرت بالتنصيص عليها بالأفضلية الصريحة‏.‏ وذكرت مع أخواتها بالأحبية فحصل لها التفضيل تنصيصاً وانضماماً انتهى‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي‏.‏

2035- باب في العفو والعافية

3734- حَدّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرّفَاعِيّ مُحمّدُ بنُ يَزيِدَ الكُوفِيّ حدثنا يَحْيَى بنُ اليَمَانِ حدثنا سُفْيَانُ عَن زَيْدٍ العَمّيّ عَن أبي إيَاسٍ مُعَاوِيَةَ بنِ قُرّةَ عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الدّعَاءُ لاَ يُرَدّ بَيْنَ الأَذَانِ والإقَامَةِ قَالُوا فَمَاذَا نَقُولُ يَا رَسُولَ الله‏؟‏ قَالَ سَلُوا الله العَافِيَةَ في الدّنْيَا وَالاَخِرَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ‏.‏ وَقَدْ زَادَ يَحْيَى بنُ اليَمَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا الحَرْفَ ‏"‏قَالُوا فَمَاذَا نَقُولُ‏؟‏ قَالَ سَلُوا الله العَافِيةَ في الدّنْيَا والاَخِرَةِ‏"‏‏.‏

3735- حَدّثَنَا مَحْمُودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا وَكِيعٌ وَ عَبْدُ الرّزّاقِ و أبُو أَحْمَدَ و أبُو نُعَيْمٍ عَن سُفْيَانَ عَن زَيْدٍ العَمّيّ عَن مُعَاوِيَةَ بنِ قُرّةَ عَن أنَسِ بن ملك عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏الدّعَاءُ لاَ يُرَدّ بَيْنَ الأَذَانِ والإقَامَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وهَكَذَا رَوَى أبُو إسْحَاقَ الهَمْدَانِيّ هَذَا الحَدِيثَ عَن بُرَيْدِ بنِ أبي مَرْيَمَ الكُوفِيّ عَن أَنَسٍ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا وَهَذَا أصَحّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا سفيان‏)‏ هو الثوري‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏سلوا الله العافية‏)‏ أي السلامة عن الاَفات والمصائب ‏(‏وقد زاد يحيى بن اليمان في هذا الحديث هذا الحرف قالوا فماذا نقول الخ‏)‏ قوله قالوا فماذا نقول الخ بيان لقوله هذا الحرف‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمود بن غيلان حدثنا وكيع وعبد الرزاق وأبو أحمد وأبو نعيم‏)‏ تقدم هذا الحديث بهذا السند مع شرحه في باب أن ‏"‏الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة‏"‏ من كتاب الصلاة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وهذا أصح‏)‏ قال المنذري في تلخيص السنن وأخرجه النسائي من حديث يزيد بن أبي مريم عن أنس وهو أجود من حديث معاوية بن قرة وقد روى عن قتادة عن أنس موقوفاً‏.‏

2036- باب

3736- حَدّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحمّدُ بنُ العَلاَءِ أخبرنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَن عمرو بنِ رَاشِدٍ عَن يَحْيَى بنِ أبي كَثِيرٍ عَن أبِي سَلَمَةَ عَن أبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏سَبَقَ المُفَرّدُونَ، قَالُوا وَمَا المُفَرّدُونَ يَا رَسُولَ الله‏؟‏ قالَ المُسْتَهْتِرُونَ في ذِكْرِ الله‏.‏ يَضَعُ الذّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهمْ فَيَأْتُونَ يَوْمَ القيامَةِ خِفَافاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ‏.‏

3737- حَدّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَن الأَعْمَشِ عَن أبي صَالِحٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لأَنْ أقُولَ سُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ لله وَلاَ إلَهَ إلاّ الله والله أَكْبَرُ أَحَبّ إليّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشّمْسُ‏"‏‏.‏ قال‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

3738- حَدّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ نُمَيْرٍ عَن سَعْدَانَ القُمّيّ عَن أبِي مُجَاهِدٍ عَن أَبِي مُدَلّةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ثَلاَثَةٌ لا تُرَدّ دَعْوَتُهُمْ‏:‏ الصّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَالإمَامُ العَادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُهَا الله فَوْقَ الغَمَام وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السّمَاءِ، ويَقُولُ الرّبّ وعِزّتِي لأنُصُرَنّك وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ‏.‏ وَسَعْدَانُ القُمّيّ هُوَ سَعْدَانُ بنُ بِشْرٍ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ عِيَسَى بنُ يُونُسَ وَأَبُو عَاصِمٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ كِبَارِ أهْلِ الْحَدِيثِ‏.‏ وأبُو مُجَاهِدٍ هُوَ سَعْدٌ الطّائِيّ‏.‏ وأبُو مُدَلّة هُوَ مَوْلَى أُمّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ، وإنّمَا نَعْرِفُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ‏.‏ وَيُرْوَى عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَتَمّ مِنْ هَذَا وَأَطْوَلَ‏.‏

3739- حَدّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا عَبْدُ الله بنُ نمَيْرٍ عَن مُوسَى بنِ عُبَيْدَةَ عَن مُحمّدِ بنِ ثَابِتٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اللّهُمّ انْفَعْنِي بِمَا عَلّمْتَنِي وعَلّمْنِي ما يَنْفَعُنِي وزِدْنِي عِلْماً، الْحَمْدُ لله عَلَى كُلّ حَالٍ وأَعُوذُ بالله مِنْ حَالِ أهْلِ النّارِ‏"‏‏.‏ قال‏:‏ هَذا حديثٌ حسن غَريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا أبو معاوية‏)‏ الضرير الكوفي اسمه محمد بن حازم‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏سبق المفردون‏)‏ بفتح الفاء وكسر الراء المشددة هكذا نقله القاضي عن متقني شيوخهم وذكر غيره أنه روي بتخفيفها وإسكان الفاء يقال فرد الرجل وفرد بالتخفيف والتشديد وأفرد قاله النووي أي المعتزلون عن الناس للتعبد ‏(‏المستهترون في ذكر الله‏)‏ بضم الميم وفتح التاءين قال في النهاية يعني الذين أولعوا به يقال هتر فلان بكذا واستهتر فهو مهتر به ومستهتر أي مولع به لا يتحدث بغيره ولا يفعل غيره انتهى‏.‏ وقال المنذري‏:‏ المستهترون بذكر الله هم مولعون به المداومون عليه لا يبالون ما قيل فيهم ولا ما فعل بهم، ولفظ مسلم في الجواب قال الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ‏(‏يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافاً‏)‏ بكسر الخاء المعجمة جمع خفيف ضد الثقيل أي يذهب الذكر عنهم أوزارهم أي ذنوبهم التي تثقلهم‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه مسلم والحاكم وأخرجه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أحب إلي مما طلعت عليه الشمس‏)‏ أي من الدنيا وما فيها من الأموال وغيرها‏.‏ قال ابن العربي أطلق المفاضلة بين قول هذه الكلمات وبين ما طلعت عليه الشمس، ومن شرط المفاضلة استواء الشيئين في أصل المعنى ثم يزيد أحدهما على الاَخر‏.‏ وأجاب بما حاصله أفعل قد يراد به أصل الفعل لا المفاضلة كقوله تعالى ‏{‏خير مستقراً وأحسن مقيلاً‏}‏ ولا مفاضلة بين الجنة والنار، وقيل يحتمل أن يكون المراد أن هذه الكلمات أحب إلي من أن يكون لي الدنيا فأتصدق بها، والحاصل أن الثواب المترتب على قول هذا الكلام أكثر من ثواب من تصدق بجميع الدنيا‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم والنسائي وابن أبي شيبة وأبو عوانة‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏ثلاثة لا ترد دعوتهم الخ‏)‏ تقدم هذا الحديث مع شرحه بأطول من هذا وأتم في باب صفة الجنة ونعيمها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وسعدان القمي‏)‏ كذا في النسخ الحاضرة بالقاف والميم وقد ضبطه الحافظ في التقريب بضم القاف وتشديد الموحدة وكسرها ‏(‏هو سعدان بن بشر‏)‏ ويقال ابن بشير الجهني الكوفي قيل اسمه سعيد وسعدان لقب صدوق من الثامنة ‏(‏وأبو مجاهد هو سعد الطائي‏)‏ الكوفي لا بأس به من السادسة ‏(‏وأبو مدلة‏)‏ بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام يقال اسمه عبد الله مقبول من الثالثة‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن موسى بن عبيدة‏)‏ الزبدي ‏(‏عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة‏)‏ قال في التقريب‏:‏ محمد بن ثابت عن أبي هريرة مجهول من السادسة وقيل هو محمد بن ثابت بن شرحبيل‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏اللهم انفعني بما علمتني‏)‏ أي بالعمل بمقتضاه ‏(‏وعلمني ما ينفعني‏)‏ أي علماً ينفعني فيه أنه لا يطلب من العلم إلا النافع والنافع ما يتعلق بأمر الدين والدنيا فيما يعود فيها على نفع الدين وإلا فما عدا هذا العلم فإنه ممن قال الله فيه ‏(‏ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم‏)‏ أي بأمر الدين فإنه نفى العلم عن علم السحر لعدم نفعه في الاَخرة بل لأنه ضار فيها وقد ينفعهم في الدنيا لكنه لم يعد نفعاً ‏(‏وزدني علماً‏)‏ مضافاً إلى ما علمتنيه ‏(‏الحمد لله على كل حال‏)‏ من أحوال السراء والضراء ‏(‏وأعوذ بالله من حال أهل النار‏)‏ من الكفر والفسق في الدنيا والعذاب والعقاب في العقبى‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم وابن أبي شيبة‏.‏

2037- باب ما جاء إن لله ملائكة سياحين في الأرض

3740- حَدّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ عَن الأعْمَشِ عَن أبي صَالِحٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ أوْ عَن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنّ لله مَلائِكَةً سَيّاحِينَ في الأرْضِ فضلاً عَنْ كُتّابِ النّاسِ فإِذَا وَجَدُوا أقْوَاماً يَذْكُرُونَ الله تَنَادَوْا هَلُمّوا إلى بَغْيَتِكُمْ فَيَجِيئُونَ فَيَحفّونَ بِهِمْ إلى سَمَاءِ الدّنْيَا فَيَقُولُ الله‏:‏ أيّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ‏؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُمَجّدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ‏.‏ قالَ‏:‏ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي‏؟‏ قالَ‏:‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ لاَ‏.‏ قالَ‏:‏ فَيَقُولُ‏:‏ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي‏؟‏ قالَ‏:‏ فَيقُولُونَ‏:‏ لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا أَشَدّ تَحْمِيداً وَأَشَدّ تَمْجِيداً وَأشَدّ لَكَ ذِكْراً، قالَ‏:‏ فَيَقُولُ‏:‏ وَأَيّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ‏؟‏ قالَ‏:‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ يَطْلُبُونَ الْجَنّةَ، قالَ‏:‏ فَيَقُولُ‏:‏ فَهَلْ رَأَوْهَا‏؟‏ قالَ‏:‏ فَيَقُولُونَ لاَ‏.‏ قالَ‏:‏ فَيَقُولُ‏:‏ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا‏؟‏ قالَ‏:‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ لَوْ رَأَوْهَا لَكَانُوا لَهَا أشَدّ طَلَباً وأشَدّ عَلَيْهَا حِرْصاً، قالَ‏:‏ فَيَقُولُ‏:‏ فَمِنْ أيّ شَيْءٍ يَتَعَوّذُونَ‏؟‏ قالُوا‏:‏ يَتَعَوّذُونَ مِنَ النّارِ، قالَ‏:‏ فَيَقُولُ‏:‏ وَهَلْ رَأَوْهَا‏؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ لاَ‏.‏ قالَ‏:‏ فَيَقُولُ‏:‏ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا‏؟‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ لَوْ رَأَوْهَا لَكانُوا مِنْهَا أَشَدّ هَرَبَاً وَأَشَدّ مِنْهَا خَوْفاً وَأَشَدّ مِنْهَا تَعوّذاً‏.‏ قالَ‏:‏ فَيَقُولُ‏:‏ فإِنّي أُشْهِدُكُمْ أَنّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ‏.‏ فَيَقُولُونَ‏:‏ إنّ فِيهِمْ فُلاَناً الْخطّاءَ لَمْ يُرِدْهُمْ إنّمَا جَاءَهُمْ لِحَاجَةٍ‏.‏ فَيَقُولُ‏:‏ هُمُ القَوْمُ لاَ يَشْقَى لَهُمْ جَلِيسٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد الخدري‏)‏ وأخرجه البخاري من طريق جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة‏.‏ قال الحافظ في الفتح كذا قال جرير وتابعه الفضيل بن عياض عند ابن حبان وأبو بكر بن عياش عند الإسماعيلي كلاهما عن الأعمش وأخرجه الترمذي عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الأعمش فقال عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد هكذا بالشك للأكثر، وفي نسخة وعن أبي سعيد بواو العطف والأول هو المعتمد فقد أخرجه أحمد عن أبي معاوية بالشك وقال شك الأعمش، وكذا قال ابن أبي الدنيا عن إسحاق بن إسماعيل عن أبي معاوية وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد وقال شك سليمان يعني الأعمش قال الترمذي حسن صحيح، وقد روي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه يعني كما تقدم بغير تردد انتهى‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏سياحين في الأرض‏)‏ بفتح السين المهملة وشدة التحتية من ساح في الأرض إذا ذهب فيها وسار، وفي رواية مسلم سيارة، وفي رواية البخاري‏:‏ إن لله ملائكة يطوفون في الطرق ‏(‏فضلاً‏)‏ صفة بعد صفة للملائكة‏.‏ قال النووي‏:‏ ضبطوا فضلاً على أوجه أحدها وأرجحها فضلاً بضم الفاء والضاد والثانية بضم الفاء وإسكان الضاد ورجحها بعضهم وادعى أنها أكثر وأصوب والثالثة بفتح الفاء وإسكان الضاد والرابعة فضل بضم الفاء والضاد ورفع اللام على أنه خبر مبتدأ محذوف والخامسة فضلاء بالمد جمع فاضل‏.‏ قال العلماء معناه على جميع الروايات أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم وإنما مقصودهم حلق الذكر ‏(‏عن كتاب الناس‏)‏ بضم الكاف وشدة الفوقية جمع كاتب والمراد بهم الكرام الكاتبون وغيرهم المرتبون مع الناس، وزاد مسلم في روايته يبتغون مجالس الذكر ‏(‏تنادوا‏)‏ أي نادى بعض الملائكة بعضاً قائلين ‏(‏هلموا‏)‏ أي تعالوا مسرعين ‏(‏إلى بغيتكم‏)‏ بكسر الموحدة وسكون الغين المعجمة أي إلى مطلوبكم وفي رواية البخاري إلى حاجتكم أي من استماع الذكر وزيادة الذاكر وإطاعة المذكور‏.‏ واستعمل هلم هنا على لغة بني تميم أنها تثني وتجمع وتؤنث ولغة الحجازيين بناء لفظها على الفتح وبقاؤه بحاله مع المثنى والجمع والمؤنث ومنه قوله تعالى ‏{‏قل هلم شهداءكم‏}‏ ‏"‏فيحفون بهم‏"‏ أي يحدقون بهم ويستديرون حولهم يقال حف القوم الرجل وبه وحوله أحدقوا واستداروا به ‏(‏إلى السماء الدنيا‏)‏ أي يقف بعضهم فوق بعضهم إلى السماء الدنيا، وفي رواية مسلم‏:‏ فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكر قعدوا معهم وخف بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا ‏(‏أي شيء‏)‏ بالنصب مفعول مقدم لقوله يصنعون ‏(‏فيقولون‏)‏ أي الملائكة ‏(‏تركناهم‏)‏ أي عبادك ‏(‏يحمدونك‏)‏ بالتخفيف ‏(‏ويمجدونك‏)‏ بالتشديد أي يذكرونك بالعظمة أو ينسبونك إلى المجد وهو الكرم ‏(‏ويذكرونك‏)‏ وفي رواية مسلم فإذا تفرقوا أي أهل المجلس عرجوا أي الملائكة وصعدوا إلى السماء قال فيسألهم الله عز وجل وهو أعلم بهم من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك‏.‏ وفي حديث أنس عند البزار ويعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لاَخرتهم ودنياهم‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر وأنها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما‏.‏ وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى وعلى الدعاء بخيري الدنيا والاَخرة وفي دخول قراءة الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر‏.‏ والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما والتلاوة فحسب‏.‏ وإن كانت قراءة الحديث ومدارسة العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وقال العيني في العمدة‏:‏ قوله يلتمسون أهل الذكر يتناول الصلاة وقراءة القرآن وتلاوة الحديث وتدريس العلوم ومناظرة العلماء ونحوها انتهى‏.‏ فاختلف الحافظ والعيني في أن المراد بمجالس الذكر وأهل الذكر الخصوص أو العموم فاختار الحافظ الخصوص نظراً إلى ظاهر ألفاظ الطرق المذكورة، واختار العيني للعموم نظراً إلى أن ما في هذه الطرق من ألفاظ الذكر تمثيلات والظاهر هو الخصوص كما قال الحافظ والله تعالى أعلم ‏(‏قال‏)‏ أي النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏فيقول‏)‏ أي الله ‏(‏فكيف لو رأوني‏)‏ أي لو رأوني ما يكون حالهم في الذكر ‏(‏وأشد لك تمجيداً‏)‏ أي تعظيماً ‏(‏وأشد لك ذكراً‏)‏ فيه إيماء إلى أن تحمل مشقة الخدمة على قدر المعرفة والمحبة ‏(‏وأي شيء يطلبون‏)‏ مني ‏(‏فهل رأوها‏)‏ أي الجنة ‏(‏لكانوا أشد لها طلبها وأشد عليها حرصاً‏)‏ لأن الخبر ليس كالمعاينة ‏(‏أشهدكم‏)‏ من الإشهاد أي أجعلكم شاهدين ‏(‏إن فيهم فلاناً‏)‏ كناية عن اسمه ونسبه ‏(‏الخطاء‏)‏ بالنصب على أنه صفة لفلاناً أي كثير الخطايا ‏(‏لم يردهم إنما جاءهم لحاجة‏)‏ أي لم يرد معيتهم في ذكر بل جاءهم لحاجة دنيوية له يريد الملائكة بهذا أنه لا يستحق المغفرة، وفي رواية مسلم‏:‏ يقولون رب فيهم فلان عبد خطاء إنما مر فجلس معهم ‏(‏هم القوم‏)‏ قال الطيبي تعريف الخبر يدل على الكمال أي هم القوم الكاملون فيما هم فيه من السعادة ‏(‏لا يشقى‏)‏ أي لا يصير شقياً ‏(‏لهم‏)‏ وفي بعض النسخ بهم أي بسببهم وببركتهم ‏(‏جليس‏)‏ أي مجالسهم وهذه الجملة مستأنفة لبيان المقتضى لكونهم أهل الكمال، وفي رواية مسلم‏:‏ وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم‏.‏

وفي الحديث فضل مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع على ذلك وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل تعالى به عليهم إكراماً لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر‏.‏ وفيه محبة الملائكة لبني آدم واعتنائهم بهم، وفيه أن السؤال قد يصدر من السائل وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول لإظهار العناية بالمسئول عنه والتنويه بقدره والإعلان بشرف منزلته‏.‏ وقيل إن في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الإشارة إلى قولهم ‏{‏أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك‏}‏ فكأنه قيل انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس مع ما سلط عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان وكيف عالجوا ذلك وضاهوكم في التقديس والتسبيح كذا في الفتح‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والشيخان‏.‏

2038- باب فضل لا حول ولا قوة إلا بالله

3741- حَدّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حدثنا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ عَن هِشَامِ بنِ الغَازِ عَن مَكْحُولٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بالله فإِنّهَا كنز مِنْ كنوز الجَنّةِ- قالَ مَكْحُولٌ- فَمَنْ قالَ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بالله وَلاَ مَنْجَا مِنَ الله إلاّ إِلَيْهِ كَشَفَ عَنْهُ سَبْعِينَ بَاباً مِنَ الضّرّ أَدْنَاهُنّ الفَقْرُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتّصِلٍ‏.‏ مَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبي هُرَيْرَةَ‏.‏

3742- حَدّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَن الأَعْمَشِ عَن أبي صَالحٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لِكُلّ نَبِيّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لاِمّتِي وَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ الله مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لاَ يُشْرِكُ بالله شَيْئاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هشام بن الغاز‏)‏ بمعجمتين بينهما ألف ابن ربيعة الجرشي الدمشقي نزيل بغداد ثقة من كبار السابعة قوله‏:‏ ‏(‏فإنها‏)‏ أي هذه الكلمة ‏(‏من كنز الجنة‏)‏ أي من ذخائر الجنة أو من محصلات نفائس الجنة‏.‏ قال النووي المعنى أن قولها يحصل ثواباً نفيساً يدخر لصاحبه في الجنة ‏(‏قال مكحول‏)‏ أي موقوفاً عليه ‏(‏ولا منجا‏)‏ بالألف أي لا مهرب ولا مخلص ‏(‏من الله‏)‏ أي من سخطه وعقوبته ‏(‏إلا إليه‏)‏ أي بالرجوع إلى رضاه ورحمته ‏(‏كشف‏)‏ أي الله تعالى وفي المشكاة كشف الله ‏(‏سبعين باباً‏)‏ أي نوعاً ‏(‏من الضر‏)‏ بضم الضاد وتفتح وهو يحتمل التحديد والتكثير ‏(‏أدناهن الفقر‏)‏ أي أحط السبعين وأدنى مراتب الأنواع نوع مضرة الفقر‏.‏ قال القاري‏:‏ والمراد الفقر القلبي الذي جاء في الحديث كاد الفقر أن يكون كفراً‏.‏ لأن قائلها إذا تصور معنى هذه الكلمة تقرر عنده وتيقن في قلبه أن الأمر كله بيد الله وأنه لا نفع ولا ضر إلا منه، ولا عطاء ولا منع إلا به، فصبر على البلاء وشكر على النعماء وفوض أمره إلى الله تعالى ورضي بالقدر انتهى‏.‏ قلت‏:‏ حديث‏:‏ كاد الفقر أن يكون كفراً‏.‏ رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس كما في الجامع الصغير، قال المناوي في شرحه‏:‏ إسناده واه، وقال صاحب المجمع في تذكرة الموضوعات ضعيف ولكن صح من قول أبي سعيد، ثم تقييد الفقر بالقلبي لا حاجة إليه كما لا يخفى‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث إسناده ليس بمتصل مكحول لم يسمع من أبي هريرة‏)‏ قال المنذري في الترغيب بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه‏:‏ ورواه النسائي والبزار مطولاً ورفعاً ولا ملجأ من الله إلا إليه ورواتهما ثقات محتج بهم‏.‏ ورواه الحاكم وقال صحيح ولا علة له ولفظه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ألا أعلمك أو ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة تقول لا حول ولا قوة إلا بالله فيقول الله أسلم عبدي واستسلم‏.‏ وفي رواية له وصححها أيضاً قال يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة‏؟‏ قلت بلى يا رسول الله‏.‏ قال تقول لا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ ولا منجأ من الله إلا إليه‏.‏ ذكره في حديث‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏لكل نبي دعوة مستجابة‏)‏ قال النووي معناه أن كل نبي له دعوة متيقنة الإجابة وهو على يقين من إجابتها وأما باقي دعواتهم فهم على طمع من إجابتها وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب‏.‏ وذكر القاضي عياض‏:‏ أنه يحتمل أن يكون المراد لكل نبي دعوة لأمته كما في الروايتين الأخيرتين يعني من روايات مسلم بلفظ‏:‏ لكل نبي دعوة دعاها لأمته‏.‏ وبلفظ‏:‏ لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته وزاد مسلم في رواية‏:‏ فتعجل كل نبي دعوته ‏(‏وإني اختبأت دعوتي‏)‏ أي ادخرتها وجعلتها خبيئة من الاختباء وهو السرّ ‏(‏شفاعة لأمتي‏)‏ أي أمة الإجابة يعني لأجل أن أصرفها لهم خاصة بعد العامة وفي جهة الشفاعة أو حال كونها شفاعة ‏(‏وهي‏)‏ أي الشفاعة ‏(‏نائلة‏)‏ أي واصلة حاصلة ‏(‏إن شاء الله‏)‏ هو على جهة التبرك والامتثال لقوله تعالى ‏{‏ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله‏}‏ ‏(‏من مات‏)‏ في محل نصب على أنه مفعول به لنائله ‏(‏منهم‏)‏ أي من أمتي ‏(‏لا يشرك بالله‏)‏ حال من فاعل مات ‏(‏شيئاً‏)‏ أي من الأشياء أو من الإشراك وهي أقسام عدم دخول قوم النار وتخفيف لبثهم فيها وتعجيل دخولهم الجنة ورفع درجات فيها‏.‏ قال ابن بطال في هذا الحديث بيان فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة ولم يجعلها أيضاً دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

2039- باب في حسن الظن بالله عز وجل

3743- حَدّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا أبُو مُعَاوِيَةَ وابنُ نُمَيْرٍ عَن الأَعْمَشِ عَن أبي صالحٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏يَقُولُ الله عز وجلّ‏:‏ أَنَا عَنْدَ ظَنّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرَنِي، فإِنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي في مَلإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ اقْتَرَبَ إليّ شِبْراً اقْتَرَبْتُ مِنْهُ ذِراعاً، وَإِنِ اقْتَرَبَ إِليّ ذِرَاعاً اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ بَاعاً، وإنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏ ويُرْوَى عَنِ الأَعْمَشِ في تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ‏"‏مَنْ تَقَرّبَ مِنّي شِبْراً تَقَرّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعاً‏"‏‏.‏ يَعْنِي بالْمَغْفِرَةِ والرّحْمَةِ، وَهَكَذَا فَسّرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ قالُوا إنّمَا مَعْنَاهُ يَقُولُ إذَا تَقرّبَ إليّ العَبْدُ بِطَاعَتِي وَما أمَرْتُ أُسرعُ إِلَيْهِ بمَغْفِرَتِي وَرَحْمَتِي‏.‏ وروي عن سعيد بن جبير انه قال في هذه الاَية ‏{‏اذكُرُوني أَذكُرْكُمْ‏}‏ قال اذكروني بطاعتي اذكركم بمغفرتي‏.‏

حدّثنا عبدُ بنُ حُميدِ قال‏:‏ حدّثنا الحسنُ بْنُ مُوسى وعَمْرو بْنُ هاشِمِ الرّملي عن ابنِ لَهِيعَةَ عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَعيدٍ بْنِ جُبَيرِ بهَذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وابن نمير‏)‏ هو عبد الله بن نمير قوله‏:‏ ‏(‏أنا عند ظن عبدي‏)‏ المؤمن ‏(‏بي‏)‏ قال الطيبي الظن لما كان واسطة بين الشك واليقين استعمل تارة بمعنى يقين وذلك إن ظهرت أماراته، وبمعنى الشك إذا ضعفت علاماته، وعلى المعنى الأول قوله تعالى ‏{‏الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم‏}‏ أي يوقنون، وعلى المعنى الثاني قوله تعالى ‏{‏وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون‏}‏ أي توهموا، والظن في الحديث يجوز إجراؤه على ظاهره ويكون المعنى أنا أعامله على حسب ظنه بي وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر، والمراد الحث على تغليب الرجاء على الخوف وحسن الظن بالله كقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله، ويجوز أن يراد بالظن اليقين والمعنى أنا عند يقينه بي وعلمه بأن مصيره إلي وحسابه علي وأن ما قضيت به له أو عليه من خير أو شر لا مرد له لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت انتهى‏.‏ وقال القاضي‏:‏ قيل معناه بالغفران له إذا استغفر والقبول إذا تاب والإجابة إذا دعا والكفاية إذا طلبها‏.‏ وقيل المراد به الرجاء وتأميل العفو وهذا أصح ‏(‏وأنا معه‏)‏ أي بالرحمة والتوفيق والرعاية والهداية والإعانة أما قوله تعالى ‏{‏وهو معكم أينما كنتم‏}‏ فمعناه بالعلم والإحاطة قال النووي ‏(‏فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي‏)‏ أي إن ذكرني بالتنزيه والتقديس سراً ذكرته بالثواب والرحمة سراً قاله الحافظ ‏(‏وإن ذكرني في ملء‏)‏ بفتح الميم واللام مهموز أي مع جماعة من المؤمنين أو في حضرتهم ذكرته في ملء خير ‏(‏يعني الملائكة‏)‏ المقربين ‏(‏منهم‏)‏ أي من ملء الذكرين ‏(‏وإن اقترب إلي شبراً‏)‏ أي مقداراً قليلاً‏.‏ قال الطيبي شبراً وذراعاً وباعاً في الشرط والجزاء منصوب على الظرفية أي من تقرب إلي مقدار شبر ‏(‏وإن اقترب إلي ذراعاً اقتربت إليه باعاً‏)‏ هو قدر مد اليدين وما بينهما من البدن ‏(‏وإن أتاني‏)‏ حال كونه ‏(‏يمشي أتيته هرولة‏)‏ هي الإسراع في المشي دون العدو‏.‏ قال الطيبي هي حال أي مهرولاً أو مفعول مطلق لأن الهرولة نوع من الإتيان فهو كرجعت القهقري، لكن الحمل على الحال أولى لأن قرينه يمشي حال لا محالة‏.‏ قال النووي‏:‏ هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهرة، ومعناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي والتوفيق، والإعانة أو إن زاد زدت فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، والمراد أن جزاءه يكون تضعيفه على حسب تقربه انتهى‏.‏ وكذا قال الطيبي والحافظ والعيني وابن بطان وابن التين وصاحب المشارق والراغب وغيرهم من العلماء‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان ‏(‏ويروى عن الأعمش في تفسير هذا الحديث‏:‏ من تقرب مني شبراً تقربت إليه ذراعاً يعني بالمغفرة والرحمة وكذلك فسر بعض أهل العلم هذا الحديث الخ‏)‏ وكذا فسره النووي وغيره كما عرفت‏.‏

قلت‏:‏ لا حاجة إلى هذا التأويل‏.‏ قال الترمذي في باب فضل الصدقة بعد رواية حديث أبي هريرة‏:‏ إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه الخ، وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث‏:‏ وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا قالوا قد تثبت الروايات في هذا ونؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف، هكذا روى من مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة الخ‏.‏

2040- باب في الاستعاذة

3744- حَدّثَنَا أبُو كُرَيْبٍ حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَن الأعْمَشِ عَن أبي صَالِحٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اسْتَعِيذُوا بالله مِنْ عَذَابِ جَهَنّمَ، وَاسْتَعِيذُوا بالله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ‏.‏ اسْتَعِيذُوا بالله مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدّجّالِ، وَاسْتَعِيذُوا بالله مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏استعيذوا بالله‏)‏ يقال عاذ وتعوذ واستعاذ بفلان من كذا لجأ إليه واعتصم وتعوذ واستعاذ بالله فأعاذه وعوذه حفظه‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم وغيره بألفاظ‏.‏

2041- باب

3745- حَدّثَنَا يَحْيَى بنُ مُوسَى أخبرنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ أخبرنا هِشَامُ بنُ حَسّانَ عَن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالِحٍ عَن أبيهِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالَ‏:‏ ‏"‏مَنْ قالَ حِينَ يُمْسِي ثَلاَثَ مَرّاتٍ أعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التّامّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرّهُ حمَةٌ تِلْكَ اللّيْلَةَ‏"‏‏.‏ قالَ سُهَيْلٌ فَكَانَ أهْلُنَا تَعَلّمُوهَا فَكَانُوا يَقُولُونَهَا كُلّ لَيْلَةٍ فَلدِغَتْ جَارِيَةٌ مِنْهُمْ فَلَمْ تَجِدْ لَهَا وَجَعاً‏.‏ هَذا حديثٌ حسَنٌ‏.‏ وَرَوَى مَالكُ بنُ أنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَن سُهَيْلِ بنِ أبي صَالحٍ عن أبِيهِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وَرَوَى عُبْيَدُ الله بنُ عُمَرَ وغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الحَدِيثَ عَن سُهَيْلِ ولَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يحيى بن موسى‏)‏ البلخي المعروف بخت ‏(‏أخبرنا يزيد بن هارون‏)‏ الواسطي السلمي ‏(‏أخبرنا هشام بن حسان‏)‏ الأزدي القردوسي قوله‏:‏ ‏(‏أعوذ بكلمات الله التامات‏)‏ قيل معناه الكاملات التي لا يدخل فيها نقص ولا عيب وقيل النافعة الشافية وقيل المراد بالكلمات هنا القرآن ذكره النووي ‏(‏لم يضره‏)‏ بفتح الراء وضمها ‏(‏حمة تلك الليلة‏)‏ قال في القاموس الحمة كثبة السم والإبرة يضرب بها الزنبور والحية ونحو ذلك أو يلدغ بها جمعها حمات وحمى انتهى وأصلها حمو أو حمى بوزن صرد والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة أو الياء‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأصله في صحيح مسلم ‏(‏وروى مالك بن أنس هذا الحديث الخ‏)‏ أخرجه مالك في موطإه في باب ما يؤمر به من التعوذ عند النوم وغيره‏.‏

2042- باب

3746- حَدّثَنَا يَحْيَى بنُ مُوسَى أخبرنا وَكِيعٌ أخبرنا أبُو فَضَالَةَ الفَرَجُ بنُ فَضَالَةَ عَن أبي سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ أَنّ أَبا هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ ‏"‏دُعَاءٌ حَفِظْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم لاَ أدَعُهُ‏:‏ اللّهُمّ اجْعَلْنِي أعَظّمُ شُكْرَكَ وَأُكْثِرُ ذِكْرَكَ وأَتّبِعُ نَصِيحَتَكَ وَأحْفَظُ وَصِيّتَكَ‏"‏‏.‏

هذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏دعاء‏)‏ مبتدأ ‏(‏حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ صفة المبتدأ مسوغ وخبره قوله‏:‏ ‏(‏لا أدعه‏)‏ أي لا أتركه لنفاسته ‏(‏اللهم اجعلني أعظم‏)‏ بالتخفيف والتشديد ورفع الميم وهو مفعول ثان بتقدير أن أو بغيره أي معظماً ‏(‏شكرك‏)‏ أي وفقني لإكثاره والدوام على استحضاره‏.‏ قال الطيبي‏:‏ اجعلني بمعنى صيرني ولذلك أتى بالمفعول للثاني فعلاً لأن صار من دواخل المبتدأ والخبر ‏(‏وأكبر‏)‏ مخففاً ومشدداً ‏(‏ذكرك‏)‏ أي لساناً وجناناً وهو يحتمل أن يكون تخصيصاً بعد تعميم وقيل إن بينهما عموماً وخصوصاً من وجه ‏(‏وأتبع‏)‏ بتشديد التاء وكسر الموحدة وسكون الأولى وفتح الثانية ‏(‏نصيحتك‏)‏ هي الخلوص وإرادة الخير للمنصوح له والإضافة يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول والأول أظهر ‏(‏وأحفظ وصيتك‏)‏ أي بملازمة فعل المأمورات وتجنب المنهيات‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ في سنده الفرج بن فضالة وهو ضعيف‏.‏

2043- باب

3747- حَدّثَنَا يَحْيَى بنُ مُوسَى أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ أخبرنا اللّيْثُ هُوَ ابنُ أبي سُلَيْمٍ عَن زِيَادٍ عَن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو الله بِدُعَاءٍ إلاّ اسْتُجِيبَ لَهُ‏.‏ فإِمّا أنْ يُعَجّلَ لَهُ في الدّنْيَا، وإِمّا أَنْ يُدّخَرَ لَهُ في الاَخِرَةِ، وَإِمّا أنْ يُكَفّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا‏.‏ مَا لَمْ يَدْعُ بإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أوْ يَسْتَعْجِلْ‏.‏ قالُوا يَا رَسُولَ الله وَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُ‏؟‏ قالَ يَقُولُ دَعَوْتُ رَبّي فَمَا اسْتَجَابَ لِي‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْه‏.‏

3748- حَدّثَنَا يَحْيَى أخبرنا يَعْلَى بنُ عُبَيْدٍ قالَ أخبرنا يَحْيى بنُ عُبَيْدِ الله عَن أبِيهِ عَن أبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَا مِنْ عَبْدٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتّى يَبْدُو إبِطُهُ يَسْأَلُ الله مَسْأَلَةً إلاّ آتَاهَا إِيّاهُ مَا لَمْ يَعْجَلْ، قالُوا يَا رَسُولَ الله وكَيْفَ عَجَلَتُهُ‏؟‏ قالَ يَقُولُ قَدْ سَأَلْتُ وسَأَلْتُ وَلَمْ أُعْطَ شَيْئاً‏"‏‏.‏

وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الزّهْرِيّ عَن أَبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابنِ أَزْهَرَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يُسْتَجَابُ لأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي‏"‏‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن زياد‏)‏ في جامع الترمذي عدة رواة من طبقة التابعين أسماؤهم زياد ولم يتعين لي أن زياداً هذا من هو قوله‏:‏ ‏(‏أو يستعجل‏)‏ أي ما لم يستعجل ‏(‏دعوت ربي فما استجاب لي‏)‏ هو إما استبطاء أو إظهار يأس وكلاهما مذموم، أما الأول فلأن الإجابة لها وقت معين كما ورد أن بين دعاء موسى وهارون على فرعون وبين الإجابة أربعين سنة، وأما القنوط فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، مع أن الإجابة على أنواع منها تحصيل عين المطلوب في الوقت المطلوب، ومنها وجوده في وقت آخر لحكمة اقتضت تأخيره، ومنها دفع شر بدله أو إعطاء خير آخر خير من مطلوبه ومنها ادخاره ليوم يكون أحوج إلى ثوابه، ومنها تكفير الذنوب بقدر ما دعا‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يحيى‏)‏ بن موسى البلخي المعروف بخت ‏(‏أخبرنا يحيى بن عبيد الله‏)‏ بن عبد الله بن موهب قوله‏:‏ ‏(‏قد سألت وسألت‏)‏ أي مرة بعد أخرى يعني مرات كثيرة أو طلبت شيئاً وطلبت آخر‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وروى هذا الحديث الزهري عن أبي عبيد مولى ابن أزهر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يستجاب لأحدكم الخ‏)‏ وصله الترمذي في باب من يستعجل في دعائه‏.‏

2044- باب

3749- حَدّثَنَا يَحْيَى بنُ مُوسَى أخبرنا أبُو دَاوُدَ أخبرنا صَدَقَةُ بنُ مُوسَى أخبرنا مُحمّدُ بنُ وَاسِعٍ عَن سُمَيْرِ بنِ نَهارٍ العَبْدِيّ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنّ حُسْنَ الظّنّ بالله مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ الله‏"‏‏.‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ منْ هَذَا الوَجه‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا أبو داود‏)‏ هو الطيالسي ‏(‏أخبرنا صدقة بن موسى‏)‏ الدقيقي البصري ‏(‏أخبرنا محمد بن واسع‏)‏ بن جابر بن الأخنس الأزدي أبو بكر أو أبو عبد الله البصري ثقة عابد كثير المناقب من الخامسة ‏(‏عن سمير‏)‏ بضم السين المهملة وفتح الميم وبياء التصغير وبالراء ‏(‏بن نهار العبدي‏)‏ البصري صدوق وقيل هو شتير بمعجمة ثم مثناة صدوق من الثالثة كذا في التقريب‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏إن حسن الظن بالله‏)‏ بأن يظن أن الله يعفو عنه ‏(‏من حسن عبادة الله‏)‏ أي حسن الظن به تعالى من جملة العبادات الحسنة فلا ينبغي أن تظن ما يظنه العامة من أن حسن الظن هو أن تترك العمل وتعتمد على الله وتقول إنه كريم غفور رحيم، ويمكن أن يكون المعنى بعد حسن العبادة حسن الظن، وقدم الخبر اهتماماً فإن السالك إذا حسن الظن بالله على سبيل الرجاء حسن العبادة في الخلا والملا فيستحسن مأموله ويرجى قبوله‏.‏ قال تعالى ‏{‏إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله‏}‏ وأما من يترك العبادة ويدعي حسن الظن بالمعبود فهو مغرور ومخدوع ومردود ومثلهما الغزالي بمن زرع ومن لم يزرع راجيين للحصاد ولا شك أن الثاني ظاهر الفساد‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود والحاكم في مستدركه‏.‏

2045- باب

3750- حَدّثَنَا يَحْيَى بنُ مُوسَى أخبرنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ أخبرنا أَبُو عَوَانَةَ عَن عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ عَن أبِيهِ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لِيَنْظُرَنّ أحَدُكُمْ مَا الّذِي يَتَمَنّى فإِنّهُ لاَ يَدْرِي مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْ أُمْنِيّتِه‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ حَسَنٌ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏عن عمر بن أبي سلمة‏)‏ بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قاضي المدينة صدوق يخطئ من السادسة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏لينظرن أحدكم‏)‏ أي ليتأمل ويتدبر ‏(‏ما الذي يتمنى‏)‏ على الله ‏(‏فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته‏)‏ بضم الهمزة وسكون الميم وكسر النون وشدة التحتية البغية وما يتمنى أي فلا يتمنى إلا ما يسره أن يراه في الاَخرة‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ هذا الحديث مرسل لأن أبا سلمة بن عبد الرحمن المذكور تابعي‏.‏

2046- باب

3751- حَدّثَنَا يَحْيى بنُ مُوسَى أخبرنا جَابِرُ بنُ نُوحٍ قالَ أَخبرنا مُحمّدُ بنُ عَمْرٍو عَن أبي سَلَمَةَ عَن أَبي هُرَيْرَةَ قالَ‏:‏ ‏"‏كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يَدْعُو فَيَقُولُ اللّهُمّ مَتّعْنِي بِسَمْعِي وَبَصَرِي وَاجْعَلْهُمَا الْوَارِثَ مِنّي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ يَظْلِمُنِي، وخذْ مِنْهُ بِثَأْرِي‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هَذا حديثٌ غَريبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا محمد بن عمرو‏)‏ بن علقمة بن وقاص ‏(‏عن أبي سلمة‏)‏ بن عبد الرحمن بن عوف‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏اللهم متعني‏)‏ من التمتيع أي انفعني ‏(‏واجعلهما الوارث مني‏)‏ أي أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت أو أراد بقاءهما وقوتهما عند الكبر والخلال القوي ‏(‏وانصرني على من يظلمني‏)‏ من أعداء دينك ‏(‏وخذ منه بثأري‏)‏ قال في النهاية‏:‏ الثأر طلب الدم يقال ثأرت القتيل وثأرت به فأنا ثائر أي قتلت قاتله‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه الحاكم في المستدرك والبزار في مسنده‏.‏

2047- باب

3752- حَدّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بنُ الأشْعَثِ السّجْزيّ حدثنا قَطَنُ البَصْرِيّ أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمانَ عَن ثَابِتٍ عَن أنَسٍ قالَ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لِيَسْألْ أحَدُكُمْ رَبّهُ حَاجَتَهُ كُلّهَا حَتّى يَسْألَ شِسْعَ نَعْلِهِ إذَا انْقَطَعَ‏"‏‏.‏ هَذا حديثٌ غَرِيبٌ‏.‏ وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَن جَعْفَرِ بنِ سُلَيْمَانَ عَن ثَابِتٍ البُنَانِيّ عَن النبيّ صلى الله عليه وسلم وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ أَنَس‏.‏

3753- حَدّثَنَا صَالِحُ بنُ عَبْدِ الله أخبرنا جَعْفَرُ بنُ سُلَيْمَانَ عَن ثَابِتٍ البُنَانِيّ أَنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لِيْسَأَلْ أحَدُكُمْ رَبّهُ حَاجَتَهُ حَتّى يَسْأَلهُ المِلْحَ وَحَتّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إذَا انْقَطَعَ‏"‏‏.‏ وهَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ قَطَنٍ عَنْ جَعْفَرِ بنِ سُلَيْمَانَ‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجزي‏)‏ بكسر السين المهملة وسكون الجيم وبالزاي نسبة إلى سجز وهو اسم لسجستان وقيل نسبة إلى سجستان بغير قياس هو الإمام أبو داود مصنف السنن وغيرها ثقة حافظ من كبار العلماء من الحادية عشرة ‏(‏حدثنا قطن‏)‏ بفتح قاف وطاء مهملة وبنون ابن نسير أبو عباد البصري الغبري الذارع صدوق يخطئ من العاشرة ‏(‏أخبرنا جعفر بن سليمان‏)‏ الضبعي قوله‏:‏ ‏(‏حاجته‏)‏ مفعول ثان ‏(‏كلها‏)‏ تأكيد لها أي جميع مقصوداته إشعاراً بالافتقار إلى الاستعانة في كل لحظة ولمحة ‏(‏حتى يسأل‏)‏ أي ربه ‏(‏شسع نعله‏)‏ بكسر المعجمة وسكون المهملة أي شراكها قال الطيبي الشسع أحد سيور النعل بين الإصبعين وهذا من باب التتميم لأن ما قبله جيء في المهمات وما بعده في المتممات‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه ابن حبان‏.‏

- قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا صالح بن عبد الله‏)‏ بن ذكوان الباهلي الترمذي‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏ليسأل أحدكم ربه حاجته‏)‏ فإن خزائن الجود بيده وأزمته إليه ولا معطي إلا هو ‏(‏حتى يسأله الملح‏)‏ ونحوه من الأشياء التافهة ‏(‏وحتى يسأله شسع نعله‏)‏ فإنه إن لم ييسره لم يتيسر ودفع به وبما قبله ما قد يتوهم من أن الدقائق لا ينبغي أن تطلب منه لحقارتها‏.‏ قوله‏:‏ ‏(‏وهذا أصح من حديث قطن عن جعفر بن سليمان‏)‏ أي حديث صالح بن عبد الله عن جعفر بن سليمان مرسلاً أصح من حديث قطن عن جعفر متصلاً لأن صالح بن عبد الله أوثق من قطن ومع ذلك قد تابع صالح بن عبد الله غير واحد، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة قطن ما لفظه‏.‏ قال ابن عدي حدثنا البغوي حدثنا القواريري حدثنا جعفر عن ثابت بحديث‏:‏ ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها فقال رجل للقواريري‏:‏ إن شيخنا يحدث به عن جعفر عن ثابت عن أنس فقال القواريري باطل‏.‏ قال ابن عدي وهو كما قال انتهى‏.‏